في هذا الوَطَنِ المُنهَك، الذي أنهكَته السّياساتُ الفاشلة والصَّفقاتُ المُشبوهة، والإداراتُ العاجزة، لا يزال كثيرٌ من اللّبنانيّين يتصرّفون وكأنّ المسؤول «سيّد»، وكأنّ النّائب «زعيم»، وكأنّ الوزير «فوقَ المُساءلة».
والحقيقةُ الواضحة، التي يجب أن تُقال بلا تردُّد، أنّ كلَّ هؤلاء مُوظَّفون لدى الشَّعب، لا أكثر ولا أقلّ، مهما علت مناصبهم أو اتّسعت نفوذهم.
رئيسُ البلديّة مُوظَّف، وأعضاءُ البلديّة مُوظَّفون، وشرطتُها وموظَّفوها مُوظَّفون، والنُّوّاب مُوظَّفون، والوُزراء مُوظَّفون، وكلُّ من يعملُ في أيّةِ وظيفةٍ حكوميّة، مهما كان منصبُه أو موقعه، يجب أن يتذكَّر دائمًا أنّ القانون سيُحاسِبه، ما دام في هذا الوطن من لا يخافُ الظُّلم، ولا يَخضعُ للفساد، ولا يقبل أن تُصادَر كرامته وحقوقه.
وكلُّ من يتقاضى راتبَه من مالِ النّاس هو خادِمٌ للصّالح العامّ، لا صاحبُ فضلٍ على أحد، ولا صاحب امتياز، ولا صاحب سلطة فوق القانون.
الشَّعبُ هو صاحبُ السُّلطة الحقيقيّة، وهو مصدرُ الشَّرعيّة، وهو من يمنحُ الثّقة، وهو من يملكُ حقَّ سحبها. لكنّ المشكلة الكبرى أنّنا، مع مرور السّنوات، تعوَّدنا على الخضوع، وعلى الخوف، وعلى الصَّمت، وعلى تبرير الخطأ، وكأنّ الفساد قَدَرٌ لا يُقاوَم، وكأنّ الظُّلم أمرٌ طبيعيّ.
ليس طبيعيًّا أن يُهانَ المواطنُ في دائرةٍ رسميّة، ولا أن يُذلَّ في بلديّته، ولا أن يُهمَل في معاملاته، ولا أن يُعامَل كمتسوّل في وطنه. ليس طبيعيًّا أن يُسرَقَ في وضحِ النّهار، ولا أن تُنهَب أمواله العامّة أمام عينيه، ولا أن يُهدَّد إذا طالب بحقّه المشروع.
كلُّ موظَّفٍ يُخالِف القانون، أو يُسيءُ استعمالَ السُّلطة، أو يبتزُّ النّاس، أو يحتمي بمرجعيّة سياسيّة أو حزبيّة أو طائفيّة، يجب أن يُحاسَب بلا استثناء، لأنّ لا حصانة للفاسد، ولا قداسة للمنحرف، ولا حماية لمن يسرق مستقبل النّاس وأحلام أبنائهم.
القانونُ وُضع ليُطبَّق، لا ليُعلَّق عند مصالح الأقوياء، والقضاءُ وُجد ليحمي المواطنين، لا ليخضع للزّعماء، والدّولة إمّا أن تكون عادلة، أو لا تكون دولة أصلًا.
أيّها اللّبنانيّون،
الخوفُ هو السّلاحُ الأقوى بيد الفاسدين. حين تخافون، ينتصرون. حين تصمتون، يتمادَون. حين تُجامِلون، يسرقون أكثر. أمّا حين ترفعون أصواتَكم، وتُطالبون بحقوقكم، وتلجأون إلى القضاء، وتُصرّون على المحاسبة، فإنّ ميزان القوّة يبدأ بالتغيّر، مهما بدا الطريق طويلًا وصعبًا.
لا تُعطوا قيمةً لمن يُهينكم أو يخذُلكم او يتستر على مخالف ضدكم .
لا تُقدِّسوا من يسرقكم.
لا تُصفِّقوا لمن يدمّركم.
احترامُ المنصب لا يعني الخضوعَ له، والالتزامُ بالنّظام لا يعني القبولَ بالظّلم، والوطنيّة لا تعني السّكوتَ عن الفساد، بل تعني الدفاع عن الوطن في وجه من ينهبونه باسم السُّلطة.
لبنانُ لن ينهضَ بالخُطب، ولا بالشّعارات، ولا بالزّعماء الوِراثيّين، بل بمواطنٍ واعٍ، حرّ، شجاع، يعرفُ حقَّه، ويدافعُ عنه، ولا يُساوِمُ عليه.
نحتاجُ اليوم إلى ثورة وعي قبل أيّ ثورة أخرى، إلى شعبٍ يقول «كفى» بصدق، إلى مجتمعٍ يفرض دولة القانون، لا دولة الأشخاص، ودولة المؤسّسات، لا دولة المزاج والمصالح.
وأخيرًا، إلى كلّ من يقرأ هذا الكلام، لا تخف. لا ترتجف أمام موظّف، ولا تنكسر أمام صاحب منصب، ولا تصمت أمام متسلّط. تذكَّر دائمًا أنّه لولا الشَّعب، لما كان لأيّ موظّف راتب، ولا لأيّ مسؤول سلطة، ولا لأيّ إدارة وجود. أنت الأصل، وهم في خدمتِك. أنت السيّد في وطنك، وهم مُلزَمون بخدمتك بالقانون والكرامة.
من اليوم، ليكن واضحًا نحن أصحاب هذا الوطن، ونحن أرباب هذا المال العامّ، ونحن من يُحاسِب، لا من يُحاسَب. ومن لا يحترم الشَّعب، لا يستحقّ أن يحكمه.







