أطلق المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فيليب لازاريني، صرخة تحذير مدوية خلال تصريحات صحفية اليوم الخميس، مؤكداً أن الوكالة أصبحت هدفاً مباشراً منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
وأوضح لازاريني أن الحملة الشرسة التي تتعرض لها المنظمة الدولية لم تكن وليدة الصدفة، بل اعتمدت بشكل أساسي على نشر أخبار مضللة تهدف إلى تشويه صورتها أمام المجتمع الدولي.
وأشار بوضوح إلى أن الهدف الجوهري وراء هذه الهجمات هو القضاء على أي نقاش سياسي أو قانوني يتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وهو جوهر القضية الفلسطينية الذي تمثله الأونروا بصفتها الشاهد التاريخي على النكبة.
وأكد المفوض العام أن الوكالة تواجه حالياً ضغطاً سياسياً هائلاً تُرجم فعلياً في أزمة مالية خانقة، ومع ذلك، شدد على أن الوكالة لن تتراجع عن دورها في لفت نظر العالم إلى الجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتكبة في قطاع غزة.
زيارة الدوحة والبحث عن طوق نجاة سياسي ومالي للوكالة
تأتي زيارة فيليب لازاريني إلى العاصمة القطرية الدوحة في توقيت حرج للغاية، حيث تركز المحادثات على حشد الدعم السياسي والمالي اللازمين لضمان استمرارية عمل الوكالة.
وأوضح لازاريني أن الأونروا مستمرة في تقديم خدماتها الحيوية لملايين الفلسطينيين في ظل غياب وكالات فلسطينية أخرى قادرة على سد الفراغ بفعالية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة.
وشدد على أن التخلي عن الوكالة في هذا التوقيت سيتسبب في "فجوة كبيرة للغاية" لا يمكن لأي جهة أخرى ملؤها، خاصة وأن الأونروا هي المؤسسة الرئيسية التي تقدم المساعدات الإنسانية الأساسية مثل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية منذ عام 1950. إن البحث عن بدائل للتمويل الطوعي الذي تعتمد عليه ميزانية الوكالة بات ضرورة قصوى بعد قيام بعض الدول المانحة بتعليق دعمها بناءً على مزاعم الاحتلال، مما وضع المنظمة الدولية أمام تحدي البقاء أو الانهيار الإنساني الشامل.
الحرب الصامتة في الضفة الغربية والقيود المفروضة على الفعالية الإنسانية
لم يغفل لازاريني في تصريحاته عما وصفه بـ "الحرب الصامتة" التي تجري في الضفة الغربية بعيداً عن أضواء الإعلام المسلطة على غزة، مشيراً إلى حالة من الإفلات من العقاب تسود المنطقة.
وكشف المفوض العام عن وجود قرارات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى منع الأونروا من أن تكون فعالة في الضفة الغربية، من خلال فرض قيود قانونية وميدانية تعرقل وصول المساعدات وتعيق عمل الطواقم الطبية والتعليمية في المخيمات.
هذه المضايقات تأتي بالتزامن مع استمرار المزاعم التي تربط الوكالة بحركة حماس، وهي الاتهامات التي نفتها الأونروا والأمم المتحدة جملة وتفصيلاً عبر لجان تحقيق مستقلة. إن محاصرة الوكالة في الضفة لا تقل خطورة عن استهدافها في غزة، حيث يهدف كلاهما إلى تقويض البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على الصمود فوق أرضه.
الأثر الإنساني لنقص التمويل وتداعياته على اللاجئين الفلسطينيين
تُعد الأونروا المؤسسة الأممية الوحيدة التي تمتلك تفويضاً مباشراً لرعاية اللاجئين الفلسطينيين، ويعتمد أكثر من 5 ملايين لاجئ في مناطق العمليات الخمس على خدماتها بشكل كلي أو جزئي.
ومع استمرار الأزمة المالية الحالية، حذر خبراء إغاثة من أن توقف الخدمات سيعني حرمان مئات الآلاف من الأطفال من التعليم، وانهيار المنظومة الصحية في مخيمات تفتقر لأبسط المقومات.
إن تعليق الدعم من قبل الدول المانحة، رغم ثبوت عدم صحة الكثير من المزاعم، يمثل "عقاباً جماعياً" يتجاوز المؤسسة ليصل إلى الفئات الأكثر ضعفاً. وتواصل الأونروا مناشداتها للمجتمع الدولي بضرورة فصل العمل الإنساني عن التجاذبات السياسية، مؤكدة أن بقاء الوكالة هو الضمانة الوحيدة لمنع وقوع كارثة إنسانية لا يمكن السيطرة على تداعياتها الأمنية والاجتماعية في المنطقة بأكملها، خاصة مع اقتراب عام 2026 الذي يشهد تحديات جيوسياسية متزايدة.
تظل وكالة الأونروا أكثر من مجرد منظمة إغاثية؛ فهي تمثل التزاماً دولياً تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين حتى يتم التوصل إلى حل عادل وشامل.
إن تصريحات فيليب لازاريني اليوم تضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه ملايين البشر الذين لا يملكون سوى هذه الوكالة كملاذ أخير. إن محاولات تصفية الأونروا عبر التجويع المالي أو التشويه الإعلامي لن تؤدي إلا إلى تفاقم المعاناة وزيادة حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وسيبقى صمود هذه الوكالة واستمرارها في تقديم الخدمات وفضح الانتهاكات هو الاختبار الحقيقي لقيم العدالة والإنسانية التي نادت بها الأمم المتحدة عند تأسيسها. فهل سينجح المجتمع الدولي في حماية الأونروا من الانهيار، أم ستنتصر الأجندات السياسية على حساب أرواح ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين؟








