توغلت قوة إسرائيلية تضم أكثر من ستين جندياً مدعومة بنحو خمس عشرة آلية عسكرية في قرية أوفانيا بريف القنيطرة الشمالي، بالتوازي مع قصف مدفعي طال أطراف جباتا الخشب ومحيط تل أحمر وقرية الصمدانية. القوة أطلقت قنابل مضيئة في سماء القرية قبل انسحابها بعد ساعات، فيما لم تُسجل إصابات مباشرة، لكن الرسالة الميدانية كانت واضحة: الجنوب السوري ساحة مفتوحة لفرض قواعد اشتباك جديدة.
التوغل جاء بعد أيام من اعتقال أربعة شبان في ريف القنيطرة، أحدهم أثناء رعي الأغنام وآخرون خلال جمع الحطب، في سياق عمليات دهم شبه يومية تشمل إقامة حواجز مؤقتة واقتياد مدنيين إلى داخل الجولان المحتل. وبحسب معطيات محلية، لا يزال نحو أربعين سورياً قيد الاحتجاز لدى إسرائيل، في حين يُفرج عن آخرين بعد ساعات أو أيام، ما يعكس سياسة ضغط متدرج ومستمرة.
هذه العمليات تتواصل رغم إعلان تشكيل آلية اتصال بإشراف أمريكي مطلع يناير لخفض التصعيد وتنسيق تبادل المعلومات. غير أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن إسرائيل تتصرف باعتبار الجنوب السوري منطقة نفوذ أمني مباشر، لا ساحة تهدئة دائمة.
انتهاكات بيئية ممنهجة
التصعيد لم يقتصر على القصف والاعتقالات، بل شمل عمليات تجريف واسعة ورش مواد كيميائية في المنطقة العازلة. جولات ميدانية أظهرت موت الغطاء النباتي في مساحات واسعة، مع تضرر مئات الدونمات من القمح والشعير، إضافة إلى آلاف الدونمات من المراعي، ما ألحق خسائر مباشرة بالمزارعين ومربي الماشية والنحل.
المؤشرات الأولية تحدثت عن اصفرار الأعشاب وتراجع الغطاء النباتي وظهور بوادر تصحر في بعض المواقع، فيما أفاد سكان محليون بحدوث تهيجات جلدية وحساسية نتيجة التعرض للمواد المرشوشة. الجهات البيئية السورية أخذت عينات من التربة والمياه بانتظار نتائج التحاليل، في وقت لم تُقر بعد تعويضات رسمية للمتضررين.
هذا النمط من الإجراءات يتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تشكيل المجال الحيوي للسكان. فحين تُضرب الزراعة والمراعي، يُعاد رسم علاقة الناس بأرضهم، ويتحول الضغط الأمني إلى ضغط معيشي طويل الأمد.
تثبيت قواعد جديدة
منذ إعلان إسرائيل انهيار اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عقب سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، توسع تموضعها داخل المنطقة العازلة وأقامت نقاطاً عسكرية تمتد من جبل الشيخ حتى الحدود الإدارية بين القنيطرة ودرعا. هذه النقاط باتت منطلقاً لدوريات وتوغلات دورية، ما يعني عملياً خلق حزام أمني فعلي داخل الأراضي السورية.

التحركات الإسرائيلية تعكس سعياً لتكريس واقع ميداني لا يرتبط فقط بملاحقة تهديدات آنية، بل بإعادة تعريف الخطوط الحمراء جنوب سوريا. فالقصف المتكرر لمناطق زراعية ونائية، كما يؤكد مسؤولون محليون، يستهدف بث الذعر وإبقاء القرى في حالة استنزاف نفسي دائم.
بهذا المعنى، لا تبدو العمليات ردود فعل موضعية، بل جزءاً من استراتيجية ردع استباقي تقوم على منع أي فراغ أمني قد تستغله أطراف إقليمية، وفي مقدمتها إيران وحلفاؤها.
رسائل إلى واشنطن
تزامن التصعيد مع زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن يضفي على التحركات بعداً سياسياً يتجاوز الساحة السورية. فإسرائيل، عبر استعراض القوة جنوب سوريا، ترسل رسالة للإدارة الأمريكية مفادها أنها لن تنتظر ترتيبات إقليمية جديدة تمس أمنها، وأنها قادرة على فرض معادلاتها ميدانياً.
في ظل نقاشات أمريكية حول ترتيبات إقليمية أوسع، بما في ذلك مسارات تفاوض محتملة مع إيران، تسعى تل أبيب إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي اتفاق لا يأخذ في الحسبان خطوطها الأمنية في سوريا سيبقى هشاً. الميدان هنا يتحول إلى أداة تفاوض غير مباشر.
كما أن إبراز القدرة على التحرك بحرية داخل الأراضي السورية يعزز موقع نتنياهو داخلياً، بوصفه زعيماً يفرض الوقائع ولا ينتظر نتائج الدبلوماسية، خصوصاً في لحظة إقليمية شديدة السيولة.
ضغط على طهران
التصعيد في القنيطرة ودرعا يحمل أيضاً رسالة موجهة إلى إيران، في ظل أي مفاوضات محتملة بينها وبين واشنطن. فإسرائيل تذكّر بأن الجنوب السوري سيبقى خط تماس حساساً، وأن أي تفاهم لا يقيّد النفوذ الإيراني أو يمنع إعادة تموضعه سيقابل بإجراءات أحادية.
من خلال تكريس حضور عسكري داخل المنطقة العازلة وتوسيع نطاق الضربات، تضع تل أبيب سقفاً عملياً للتسويات. الرسالة إلى طهران واضحة: سوريا ليست ساحة مساومة يمكن تحييدها في صفقات أوسع، بل ملفاً أمنياً مباشراً لإسرائيل.
هذه المقاربة تعكس توجهاً إسرائيلياً تقليدياً يقوم على منع تشكل بيئة استراتيجية معادية في الجوار المباشر، حتى لو تطلب الأمر تجاوز تفاهمات سابقة أو تحمل انتقادات دولية.
جنوب سوريا ورقة تفاوض
في المحصلة، تبدو الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا جزءاً من لعبة رسائل مركبة تتقاطع فيها الساحة الميدانية مع حسابات واشنطن وطهران. القصف والتوغل والاعتقالات ليست مجرد عمليات أمنية، بل أدوات ضغط لإعادة رسم خرائط النفوذ قبل تبلور أي تسوية إقليمية.
غير أن هذا النهج يحمل مخاطر انزلاق تدريجي نحو واقع احتكاك دائم، يفاقم هشاشة الجنوب السوري ويقوض أي مسار لخفض التصعيد. فحين تتحول الأرض إلى ساحة رسائل، يدفع المدنيون الثمن أولاً.
بين تثبيت الردع وتوسيع مناطق النفوذ، تبقى سوريا الجنوبية مرآة لصراع إقليمي أوسع، حيث تُكتب التفاهمات المحتملة في غرف التفاوض، لكن تُختبر حدودها بالنار على خطوط التماس.










