تشهد الساحة السياسية العالمية منعطفات وعمليات محفوفة بالمخاطر بشكل متزايد، تارة بشن التهديدات المتبادلة، وتارة أخرى بنشر البواخر والبوارج لإقناع العالم بأن الأمر وصل إلى طريق مسدود. بالإضافة إلى رصن الاقتصاد العالمي بما يتلائم مع توجهاتهم. لن تكون هذه الأحداث المتسلسلة المرة الأولى ولا الأخيرة. لطالما كان العالم ساحة اختبار منذ خلق آدم عليه السلام. وما فسوق إبليس عن أمر ربه إلا صورة من صور الكبرياء وإبراز القوة والصراع على السلطة والطاقة لتبيان من الأقوى .أي أنه ساحة صراع بين الخير والشر.
وعلى هذا الأساس، ما نشاهده من تسلسل الأحداث على المسارح السياسية العالمية هو صراع على السلطة والطاقة. وما فضيحة إبستين البغيضة والشيطانية إلا صورة حقيقية عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه. فالعديد من الملفات المظلمة الشيطانية التي فُتحت -وربما لم تُفتح بعد- تظهر العلاقات الكامنة وراء مراكز القوى العالمية، وقد تكون قوى خارقة مخفية.
كما تُظهر لنا هذه المواجهة ضرورة إعادة النظر في الأسباب الحقيقية وراء العديد من الأحداث والتطورات الماضية. فقد كانت حسابات مماثلة من الصراعات تنفذ عند تأسيس النظام العالمي القديم. يجب علينا إعادة تحليل الدول المنهارة بعناية أكبر. وعلى وجه الخصوص، يجب إعادة قراءة عملية انهيار الإمبراطورية العثمانية، ضمن إطار الألاعيب التي لُعبت والديناميات الداخلية. العالم الجديد لم يؤسس بعد، أما العالم القديم فيحتضر.
ولفهم أبعاد هذه العملية القاسية والدموية، من الضروري فهم نوايا واستراتيجيات الفاعلين فهمًا صحيحًا. من الذي يُشكّل النظام الجديد (الصراع على السلطة والطاقة) وما هي مراكز القوى المخفية؟ من هم الفاعلون الظاهرون والخفيون؟
لطالما رُفضت هذه الأسئلة في الماضي باعتبارها "نظريات مؤامرة". أحيانًا بسبب الجهل، وأحيانًا أخرى بسبب محاولة متعمدة لتضليل الواقع، تم تجاهل هذه المواضيع. أما اليوم، فقد باتت أمور كثيرة أكثر وضوحًا. لذلك، يجب علينا إعادة قراءة الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولكن يجب أن يتم ذلك دون حصر أنفسنا في النصوص التي كتبها المنتصرون.
التوترات بين القوى المهيمنة في العالم القديم
عندما كان النظام العالمي القديم يتشكل، كانت بريطانيا من أبرز الفاعلين في الهيمنة على الدول من خلال احتلالها اقتصاديا وعسكريا، حيث لعبت بريطانيا دورًا هادئًا ومؤثرا. وكانت لها دورٌ بارز في العملية التي أوصلت الولايات المتحدة إلى مكانة القوة العالمية الرائدة. إلا أن التقييمات الحالية تشير إلى أنها تُجري حسابات جديدة بشأن الصين في موازين القوى العالمية.
تغيرات في الاتفاقيات والتحالفات
سبق أن أُجريت العديد من التقييمات حول إمكانية توصل الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق في بعض المجالات. ويعود ذلك إلى تشابه المخاوف الأمنية وأسباب الصراع لدى الجانبين في بعض النقاط.
في هذا السياق، يبقى السؤال حول موقف جماعات الضغط (Pressure groups) وشبكات النفوذ الفعّالة مهمًا. فالعداء العلني غالبًا ما يكون أكثر وضوحا،إذ يعرف المرء من يقف في مواجهة أي قوة. أما التحدي الحقيقي فيكمن في مجالات النفوذ الخفية وعلاقات القوة السرية. ومن هذا يبرز جزء من هشاشة الهياكل الداخلية للقوى العظمى.
وينطبق هذا الأمر ليس على الولايات المتحدة فحسب، بل على الصين وروسيا والهند وغيرها من القوى الكبرى.
بالنظر إلى النفوذ التاريخي لبريطانيا على الطرق البحرية والتجارية ونقاط العبور الاستراتيجية، يصبح من الأجدى قراءة التنافس بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من خلال هذه الخطوط الجيواقتصادية.
أصدقاء قدامى.. خصوم جدد
يُزعزع العصر الجديد الأعراف السائدة. تتضح صورةٌ حيثُ تتنافس جهاتٌ كانت حليفةً بالأمس تنافسًا شرسًا. عند تأسيس الاتحاد الأوروبي، كان وقوف ألمانيا وفرنسا جنبًا إلى جنب موضوع نقاشٍ حاد. يمكن للاتجاهات الاقتصادية العالمية والضرورات السياسية أن تجمع بين خصوم تاريخيين على أرضية مشتركة، كما يمكنها أن تُحوّل الأصدقاء المقربين إلى خصوم.
ينبغي أيضًا دراسة الحرب الروسية الأوكرانية من منظورٍ متعدد الأبعاد، لا بالاعتماد فقط على مصادر أحادية الجانب. إن فهم كيفية تصادم المجتمعات ذات الجذور التاريخية والثقافية المشتركة أمرٌ بالغ الأهمية لاستخلاص العبر للمستقبل.
العالم والبحث عن تحالفات جديدة
ندخل حقبةً قد يُقيم فيها من كانوا أعداءً الأمس، أصدقاء الغد، حيث تفقد الأطر الأيديولوجية الجامدة وظيفتها تدريجيًا. يفتح العصر الجديد المجال أمام سيناريوهات أكثر إنتاجية.
مع ذلك، باتت حماية القيم الوطنية والروحية أكثر أهمية من أي وقت مضى. نشهد تزايدًا في التأثيرات المُقوِّضة لمنظومة القيم. ومع ذلك، فإن هذه العناصر، التي غالبًا ما تُعتبر بسيطة، هي الركائز الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات والدول.
يُبنى جزء كبير من المشاريع العالمية على افتراض الابتعاد عن هذه القيم، لأنه من الأسهل توجيه هياكل بلا جذور. أحد المعايير الرئيسية الحاسمة في العصر الجديد هو الإرادة في الحفاظ على منظومة القيم. هذا الأساس سيحدد إلى حد كبير مسار التحالفات. العالم ليس وطنًا دائمًا، بل محطة عبور. مصير الدول يُشبه مصير البشرية. من ينطلق في رحلته دون أن ينسى مالك الأرض، سيحقق النصر بلا شك.




