21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد مصطفى شاهين يكتب: نقد مسودة الدستور المؤقت بين النواقص الجوهرية والحاجة إلى تأصيل وطني حقيقي

في هذا المقال سنستعرض بالتفصيل هذه النواقص الدستورية مستندين إلى التحليل القانوني والتاريخي، لنؤكد أن فلسطين ليست مجرد دولة، بل قضية حية تستحق دستورا يعكس كفاحها الوطني.

بقلم: محمد مصطفى شاهين
١٤ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
عباس يتسلم مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

عباس يتسلم مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين

في مواجهة مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين التي أصدرها الرئيس محمود عباس في فبراير 2026، نجد أنفسنا أمام وثيقة تعاني من خلل جوهري يجعلها مجرد إطار لدولة طبيعية خالية من أي قضية وطنية حقيقية. هذه المسودة بدلا من أن تكون سيفا للتحرر تتحول إلى أداة لإدارة الاحتلال متجاهلة تماما واقع فلسطين كدولة تحت استعمار استيطاني عنصري. 

من منظور قانوني صارم، يجب رفضها رفضا قاطعا لعدم توافقها مع الشرعية الدولية، كما في اتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة والوطنية التي تتجسد في الميثاق الوطني والإعلان الاستقلالي. فلسطين لا تحتاج إلى دستور يداري الواقع، بل إلى وثيقة تحررية تجعل السيادة قوية والهوية النضالية حاضرة، وحق العودة مركزيا ومقاومة الاحتلال واجبا دستوريا، والذاكرة التاريخية مترابطة. هذا الدستور يصلح لدولة اسمها فلسطين، لكنه يخون شعبا اسمه الشعب الفلسطيني الذي يستحق إعادة صياغة شاملة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ليكون أداة تحرر لا مجرد إدارة للاحتلال.

التوصية الجوهرية لهذا الإصلاح، إضافة باب دستوري كامل بعنوان الدولة تحت الاحتلال، والتحرر الوطني يتضمن نصا صريحا يعتبر الصهيونية مشروعا استعماريا عنصريا، ويجرّم التطبيع بكل أشكاله ويثبت حق المقاومة بكافة أشكالها المشروعة وفق القانون الدولي. كما يجب تمثيل الشتات عبر مجلس وطني يمنحه حق الانتخاب المباشر، وربط الدولة عضويا بمنظمة التحرير كمرجعية سيادية عليا.

في هذا المقال سنستعرض بالتفصيل هذه النواقص الدستورية مستندين إلى التحليل القانوني والتاريخي، لنؤكد أن فلسطين ليست مجرد دولة، بل قضية حية تستحق دستورا يعكس كفاحها الوطني.

أولا: يبرز ضعف التأصيل الوطني والسيادي كأحد أبرز النواقص الجوهرية. الدستور كوثيقة تأسيسية يجب أن يعكس الواقع التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت احتلال عسكري منذ عقود. 

ومع ذلك، تغيب عن المسودة أي تعريف صريح لطبيعة الدولة كدولة محتلة، كما حددتها اتفاقيات جنيف الرابعة 1949، وقرارات مجلس الأمن الدولي، مثل القرار 242 1967 الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. لا يوجد نص يعترف بالاحتلال كحالة مؤقتة غير شرعية، ولا إطار دستوري لإدارة الدولة في ظل هذا الاحتلال. 

اقرأ أيضا: بين الدستور والمجلس الوطني: أي مدخل لإعادة تأسيس المشروع الوطني الفلسطيني في ظل الإبادة والضم؟

بدلا من ذلك، تتعامل المسودة مع فلسطين كدولة مكتملة السيادة، مما يعني عمليا تجاهل الواقع القانوني الذي يفرض على الدولة واجب مقاومة الاحتلال لا التعايش معه. هذا النقص يتنافى مع مبدأ السيادة الشعبية المنصوص عليه في الميثاق الوطني الفلسطيني 1968، الذي يربط السيادة بإنهاء الاحتلال، ويجعل الدستور عرضة للتفسيرات التي قد تبرر التطبيع مع الكيان المحتل.

ثانياً: يتميز الدستور بتمييع مفهوم التحرر الوطني، حيث يختزل القضية الفلسطينية في إطار حقوق مدنية فردية، مع التركيز على الحريات الأساسية والديمقراطية الإجرائية والفصل بين السلطات. هذه المبادئ -رغم أهميتها- تفتقر إلى ربطها بمشروع تحرر وطني شامل. 

لا يوجد ذكر لدور الدولة في مقاومة الاحتلال سياسيا وقانونيا وشعبيا، كما ينص عليه القانون الدولي الإنساني الذي يعترف بحق الشعوب المحتلة في المقاومة، وبروتوكول جنيف الإضافي الأول 1977.

بدلا من ذلك، يبدو الدستور أقرب إلى نموذج أوروبي لدولة مستقرة، لا إلى دستور لشعب يواجه استعمارا استيطانيا. هذا التمييع يهدد بتحويل الدستور إلى أداة لإدارة الاحتلال لا لإنهائه، مما يتعارض مع قرارات منظمة التحرير الفلسطينية التي تؤكد على الكفاح المسلح والسياسي كوسيلة للتحرر.

ثالثاً: يغيب عن المسودة مركزية قضية اللاجئين وحق العودة، رغم أن أكثر من خمسين بالمئة من الشعب الفلسطيني يعيش في الشتات، وحق العودة جوهر الصراع كما حدده القرار الأممي 194 1948. لا يوجد باب دستوري خاص باللاجئين، ولا آليات لتمثيلهم في الهيئات الدستورية، ولا التزام قانوني صريح بإعادتهم إلى أراضيهم. 

هذا الإهمال يعني عمليا فصل الشتات عن الوطن سياسيا، مما ينتهك مبدأ الوحدة الوطنية المنصوص عليه في الإعلان الاستقلالي الفلسطيني 1988. قانونيا، يجب أن يشمل الدستور آليات تمثيلية مثل مجلس وطني للمهجرين، لضمان مشاركتهم في صنع القرار خاصة في ظل غياب انتخابات شاملة تشمل الشتات.

رابعاً: تعاني المسودة من ضعف في تعريف الهوية الوطنية، حيث تقتصر على جوانب ثقافية ولغوية ودينية دون تأصيلها كهوية صراعية ضد استعمار استيطاني. لا توجد تعريفات دستورية لفلسطين كقضية تحرر، أو للشعب كشعب يخوض كفاحا تاريخيا مستمرا. 

هذه الهوية الرمزية تفتقر إلى المضمون الكفاحي، مما يجعلها عرضة للتآكل أمام الضغوط الخارجية مقارنة بدساتير تحررية أخرى، مثل الدستور الجزائري 1963 الذي سمى العدو صراحة. تغيب هنا أي إشارة إلى الصهيونية كمشروع استعماري عنصري كما حددته قرارات الأمم المتحدة مثل 3379 1975 الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.

خامسا: يتم تهميش مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي التاريخي للشعب الفلسطيني، رغم دورها في إطار الشتات. المسودة لا تربط الدولة بها عضويا ولا تجعلها مرجعية سيادية فوق السلطة. 

وكأن الدولة تبدأ من الصفر، دون ذاكرة نضالية. هذا يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني 2002 المعدل، الذي يعترف بمنظمة التحرير كإطار جامع.

سادسا: غياب تعريف واضح للسيادة على الأرض، حيث لا نصوص حاسمة حول فلسطين التاريخية، أو حدود 1967 كحد أدنى، أو القدس كعاصمة أبدية غير قابلة للتفاوض.

الصياغات فضفاضة، مما يفتح الباب لتأويلات سياسية قد تتنازل عن الحقوق الوطنية، مخالفة لقرار الأمم المتحدة 2334 2016 الذي يدين الاستيطان.

سابعا: يعكس الباب الاقتصادي نموذجا ليبراليا يركز على السوق المفتوح والاستثمار الأجنبي، دون مفهوم للاقتصاد المقاوم أو التحرر من التبعية للاحتلال. 

لا سيادة على الموارد مما يجعل الاقتصاد عرضة للاستغلال مخالفا لمبادئ التنمية الذاتية في اتفاقيات أوسلو التي كانت مؤقتة

في الخلاصة، هذه المسودة تعاني من خلل جوهري يجعلها دستورا لدولة طبيعية بلا قضية وطنية بينما فلسطين تحتاج إلى دستور دولة تحت استعمار. من منظور قانوني يجب رفضها لعدم توافقها مع الشرعية الدولية والوطنية. يجب إعادة صياغتها بمشاركة وطنية شاملة تحت مظلة منظمة التحرير، ليكون أداة تحرر لا إدارة احتلال.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد مصطفى شاهين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد مصطفى شاهين يكتب: نقد مسودة الدستور المؤقت بين النواقص الجوهرية والحاجة إلى تأصيل وطني حقيقي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°