رفعت الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، وسط تقارير استخباراتية تشير إلى تقدم إيراني "غير مسبوق" في تخصيب اليورانيوم وترميم ترسانة الصواريخ الباليستية بعد مواجهات العام الماضي.
هذا الاستنفار لا يقتصر على الدفاعات الجوية فحسب، بل شمل تحركات هجومية لسلاح الجو وتدريبات مكثفة تحاكي ضرب أهداف بعيدة المدى.
وترى إسرائيل أن انشغال العالم بملف إعادة إعمار غزة قد يوفر غطاءً لطهران لاستكمال مشروعها النووي، مما يجعل التحرك العسكري الإسرائيلي خياراً "وجودياً" لا يمكن تأجيله، خاصة مع تزايد وتيرة التهديدات المتبادلة بين الجانبين في الأيام الأخيرة.
الحشد الأمريكي في المنطقة
بالتزامن مع التهديدات الإسرائيلية، أرسلت إدارة الرئيس ترامب تعزيزات بحرية ضخمة إلى مياه الخليج وبحر العرب، شملت حاملات طائرات ومدمرات متطورة فيما وصف بـ "الأرمادا" الأمريكية الجديدة.
هذا الحشد العسكري لا يهدف فقط إلى حماية المصالح الأمريكية، بل يعمل كأداة ضغط خشنة لدعم التحركات الدبلوماسية الجارية في سلطنة عُمان.
واشنطن تسعى من خلال هذا الوجود العسكري المكثف إلى إفهام طهران بأن "خيار القوة" لا يزال مطروحاً وبقوة على الطاولة، وأن التوصل إلى اتفاق نووي شامل يضمن تفكيك البرنامج الصاروخي هو السبيل الوحيد لتجنب مواجهة شاملة.
هذا المناخ الحربي يلقي بظلاله على كافة ملفات المنطقة، حيث تشعر القوى الإقليمية أن الصدام المباشر بين واشنطن وطهران بات أقرب من أي وقت مضى إذا لم تُنتج المفاوضات السياسية نتائج ملموسة وسريعة.
هل يجري استخدام غزة كورقة ضغط في ملف إيران النووي؟
بات من الواضح في المشهد السياسي لعام 2026 أن قطاع غزة لم يعد مجرد ساحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تحول إلى "ورقة مقايضة" مركزية في ملف المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران.
فمن جهة، تستخدم طهران نفوذها على الفصائل الفلسطينية لتأكيد قدرتها على "تثبيت أو تفجير" الهدوء في المنطقة، مما يمنحها ميزة تفاوضية لانتزاع تنازلات في ملف رفع العقوبات.
ومن جهة أخرى، تسعى واشنطن لربط ملف إعادة إعمار غزة وضمان أمن إسرائيل بتفكيك شبكة الأذرع الإقليمية الإيرانية.
إن هذا "التخادم السياسي" يجعل من معاناة سكان القطاع رهينة لنتائج المحادثات في مسقط؛ حيث يُلاحظ أن وتيرة التهدئة أو التصعيد في غزة غالباً ما تتزامن مع تقدم أو تعثر النقاط الخلافية في الاتفاق النووي، مما يعزز فرضية أن غزة هي "الساحة الخلفية" التي يتم فيها تصفية الحسابات الكبرى بين القوى الدولية.
التحركات الدبلوماسية في عُمان: صراع الأجندات بين رفع العقوبات وتقويض النفوذ الإقليمي
تستضيف سلطنة عُمان جولات مكثفة من المفاوضات غير المباشرة، حيث تصر الولايات المتحدة على أن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل "رزمة كاملة" تتضمن البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، والدور الإيراني في غزة ولبنان واليمن. في المقابل، ترفض طهران بشدة توسيع نطاق التفاوض ليشمل قدراتها الدفاعية أو حلفاءها الإقليميين، مؤكدة أن الملف النووي هو القضية الوحيدة القابلة للنقاش مقابل الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية.
هذا الانقسام في الأجندات أدى إلى حالة من الانسداد السياسي الذي يهدد بانهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى لغة الرصاص. التحركات العمانية والقطرية تحاول جاهدة جسر الهوة عبر اقتراح "اتفاقات مرحلية"، إلا أن الضغوط الإسرائيلية المستمرة على واشنطن تدفع نحو المطالبة بـ "استسلام استراتيجي" إيراني لا يبدو أن طهران مستعدة لتقديمه حتى الآن.
مستقبل الإقليم والتوازنات القادمة
في قلب هذه التجاذبات، يبرز السؤال حول مستقبل إدارة قطاع غزة في ظل مبادرة "مجلس السلام" التي طرحتها واشنطن. هذا المشروع لا يهدف فقط لإعادة الإعمار، بل يسعى لتجفيف منابع النفوذ الإيراني داخل القطاع بشكل نهائي.
إن محاولات واشنطن استبدال الفصائل الموالية لطهران بقوة دولية أو عربية مشتركة تمثل ضربة موجعة لاستراتيجية "وحدة الساحات" الإيرانية، وهو ما يفسر المقاومة السياسية والميدانية التي تبديها طهران لهذا المسار.
لذا، فإن مستقبل غزة لعام 2026 بات مرتبطاً عضوياً بمدى قدرة إيران على الحفاظ على أوراق ضغطها الإقليمية مقابل الضغوط الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، مما يجعل القطاع نقطة الارتكاز التي ستحدد شكل "الشرق الأوسط الجديد" سواء عبر اتفاق شامل أو انفجار إقليمي واسع.
إن المشهد المعقد الذي يجمع بين طموح طهران النووي، وقلق إسرائيل الوجودي، ومعاناة غزة الإنسانية، يضع المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي. إن استخدام غزة كورقة ضغط في الصراعات الكبرى هو تذكير أليم بأن القوى الدولية غالباً ما تغلب مصالحها الاستراتيجية على الاعتبارات الإنسانية.
ومع استمرار التحشيد العسكري وانسداد الأفق السياسي، يبدو أن عام 2026 سيكون عام "الحسم"؛ فإما أن تفضي مفاوضات عُمان إلى صفقة كبرى تنهي عقوداً من التوتر، أو أن تختار المنطقة طريق المواجهة المباشرة التي قد تبدأ من منشآت إيران النووية وتنتهي بإعادة رسم خرائط النفوذ في كامل الشرق الأوسط. الأيام القادمة ستحمل الإجابة، بينما تظل غزة تنتظر الفرج المعلق بين عواصم القرار الدولي.










