لم يُقدِّم سعد الحريري إجابات شافية لأنصاره ولا للرأي العام اللبناني بشأن قراره التراجع عن تعليق نشاطه السياسي والمشاركة في الاستحقاقات الوطنية، وعلى رأسها الانتخابات النيابية المقررة في 10 مايو المقبل، واكتفى الحريري خلال كلمته أمام الحشود في ساحة الشهداء، في ذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، بالإشارة إلى أن السؤال الحقيقي ليس عودته بل توقيت الانتخابات نفسها، قائلاً إن ما سيقوم به “تيار المستقبل” مرتبط بموعد الاستحقاق، ومؤكداً أن أصواتهم ستُسمع وتُحتسب عندما تُجرى الانتخابات.
الحشد الشعبي كرسالة قوة داخلية
توجّه الحريري إلى أنصاره المحتشدين من “تيار المستقبل” قرب مسجد محمد الأمين في وسط بيروت، مشدداً على أن حجم المشاركة يُكذّب كل الروايات التي تحدثت عن تراجع شعبيته، وأكد أن جمهوره لم يكن يوماً أقلية ولن يكون، معتبراً أن الالتفاف حوله رغم الظروف والضغوط يعكس استمرار الأكثرية التي تمثل نهج الاعتدال الذي أسسه والده.
وتأثر الحريري بشدة خلال حديثه، مشيراً إلى أن الحضور الشعبي السنوي يثبت أن إرث رفيق الحريري لا يزال حياً في وجدان اللبنانيين. واعتبر أن مشروع والده لم يكن حلماً انتهى باغتياله بل رؤية مستمرة يجسدها أنصاره، مؤكداً أن الاعتدال شجاعة لا تردد، وأن الصبر إيمان لا ضعف، وأن هذا النهج هو الضمانة الوطنية للبنان.
خطاب تعبوي يعكس إعادة التموضع السياسي
أراد الحريري طمأنة جمهوره بأن المرحلة المقبلة أفضل، مؤكداً أن النفق الحالي يقترب من نهايته. واعتبر أن رفيق الحريري لم يكن مجرد رجل مرحلة بل نموذجاً لرجل دولة آمن بأن الوطن فوق الجميع، وأن حاجة لبنان اليوم إلى هذا النهج تتجلى في الاقتصاد والثقة والعيش المشترك.
وفي سياق إعادة التموضع السياسي، شدد الحريري على أن تيار المستقبل لا يتعامل مع السياسة كوسيلة للسلطة أو الوجاهة، بل كمسؤولية وطنية. وأوضح أن ابتعاده السابق لم يكن انسحاباً نهائياً بل استراحة فرضتها ظروف سياسية رأى أنها تمس كرامة الدولة، مؤكداً أن “الحريرية الوطنية” قد تأخذ مسافة لكنها لا تنكسر ولا تختفي.
مواجهة الخصوم والتأكيد على البقاء
اتهم الحريري خصومه بمحاولة إلغائه سياسياً والطعن به بشكل مستمر، لكنه أكد أن قوته مستمدة من جمهوره، وأنه لن يساوم على المبادئ أو يتاجر بالناس. وشدد على أن مشروعه قائم ما دام أنصاره متماسكين، وأن هدفه بناء دولة لا يخجل ماضيها من حاضرها ولا يدفن حاضرها مستقبلها.
وأشار إلى أن مدرسته السياسية لا تبيع المواقف ولا تشتريها، لا في سوق السياسة ولا غيره، في رسالة واضحة بأنه لن يعود بشروط الآخرين بل وفق رؤيته الخاصة لمستقبل لبنان.
رسائل ضمنية للداخل والخارج
دعا الحريري إلى قيام دولة طبيعية تقوم على دستور واحد وجيش واحد وسلاح واحد، معتبراً أن اللبنانيين تعبوا من الحروب والانقسامات والمحاور. وأكد أن لبنان سيبقى موحداً وأن مشاريع التقسيم والهيمنة سقطت بحكم الواقع.
كما وجّه تحية إلى أهالي الجنوب، مشدداً على حقهم بدولة تحميهم وتثبتهم في أرضهم، في إشارة إلى أن معالجة ملف السلاح والسيادة جزء من إعادة بناء الدولة لا من الصراع الداخلي فقط.
البعد العربي والإقليمي في خطاب الحريري
شدد الحريري على التزامه باتفاق الطائف وعلى أن “الحريرية” كانت دائماً جسراً للتقارب العربي لا ساحة للخلافات. وأكد رغبته في أفضل العلاقات مع الدول العربية، بما في ذلك سوريا التي وصفها بالجديدة والحرة، مشيداً بجهود الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار ولمّ الشمل.
هذا الموقف يعكس محاولة واضحة لإعادة تموضع الحريري إقليمياً أيضاً، عبر تبني خطاب تصالحي يبتعد عن الاستقطاب الحاد الذي طبع السنوات الماضية.
الانتخابات بوابة العودة الكاملة
اختتم الحريري بالتأكيد أن تيار المستقبل سيكون صوت جمهوره في الاستحقاقات الوطنية، وأن الانتخابات النيابية هي المحطة الأساسية. وكرر أن موقفه النهائي مرتبط بتحديد موعدها، لكنه وعد بالبقاء مع أنصاره في كل الظروف، معتبراً أن وحدتهم هي الضمانة الحقيقية لاستمرارهم السياسي.
كما شدد على أن السياسة بالنسبة إليه دفاع عن كرامة لبنان وسيادته وحقوق جميع المواطنين، وأن ابتعاده السابق جاء رفضاً لتغطية الفشل أو المساومة على الدولة. وأكد أن مدرسته تقوم على حب الناس قبل حب السلطة، في رسالة تعكس محاولة استعادة الشرعية الشعبية كمدخل لأي عودة سياسية فاعلة.
تكشف كلمة الحريري عن عودة حذرة مشروطة، تقوم على اختبار البيئة الداخلية وتبدلات الإقليم، مع محاولة إعادة بناء الموقع السياسي دون مواجهة مباشرة، ودون تنازلات تمس جوهر مشروعه. إنها إعادة تموضع أكثر منها عودة كاملة، بانتظار لحظة سياسية يرى أنها مناسبة لإطلاق الدور من جديد.










