قال الدكتور محمد عماد صابر الكاتب السياسي وعضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصرى سابقا، إن العلاقة بين التفاوض والتصعيد بين أمريكا وإيران ليست علاقة تناقض، بل علاقة تلازم، فمنذ سقوط الشاه عام 1979 وصعود نظام آية الله الخميني، دخلت الولايات المتحدة وإيران في نمط ثابت من إدارة الصراع لا يقوم على الحسم، بل على ضبط الإيقاع.
وتابع في تصريحات خاصة لـ 180 تحقيقات، أنه كلما ارتفع منسوب التصعيد، ظنّ البعض أن الحرب باتت وشيكة. وكلما فُتحت قنوات التفاوض، قيل إن الأزمة في طريقها للحل. لكن الواقع يكشف أن التصعيد غالبًا ما يكون تمهيدًا للتفاوض، وأن التفاوض نفسه لا يتم إلا تحت ضغط محسوب.
وأكدت أنه حين فرضت إدارة باراك أوباما عقوبات اقتصادية خانقة، لم يكن الهدف إسقاط النظام، بل دفعه إلى الطاولة. وحين انسحب دونالد ترامب من الاتفاق النووي ورفع سياسة “الضغط الأقصى”، لم تنفجر الحرب، بل ارتفع سقف الرسائل المتبادلة. إيران رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم، وأمريكا كثفت العقوبات والانتشار العسكري، لكن الطرفين توقفا دائمًا قبل نقطة اللاعودة.
وأوضحت أن ذلك لأن كلفة الحرب الشاملة أكبر من مكاسبها. إغلاق مضيق هرمز يعني أزمة طاقة عالمية، واستهداف المنشآت النووية قد يشعل الإقليم بأكمله، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان. وأي مواجهة مفتوحة ستضع القواعد الأمريكية في مرمى الرد، كما ستدفع المنطقة إلى فوضى غير محسوبة. لهذا يتحرك الطرفان على حافة الهاوية دون أن يسقطا فيها.
وقالت إن التصعيد هنا ليس انفعالًا، بل رسالة، وإيران تستخدم نفوذها الإقليمي وبرنامجها النووي كورقة تفاوض، وأمريكا تستخدم العقوبات والتحالفات العسكرية كورقة ضغط.. كلاهما يعرف حدود القوة وحدود المخاطرة.. لذلك لا يسعى أي منهما إلى كسر الآخر بالكامل، بل إلى تحسين شروط التوازن.
وأشارت إلى أن دور إسرائيل في المعادلة يعكس هذا التعقيد، فهي تضغط باتجاه منع إيران من الوصول إلى عتبة نووية، لكنها تدرك أن الحرب الكبرى قد لا تكون في مصلحتها أيضًا، ومن هنا يبقى الصراع في منطقة رمادية: لا سلام شامل، ولا حرب شاملة.. إذن فالعلاقة بين التفاوض والتصعيد ليست مسارًا متعرجًا، بل استراتيجية مدروسة.
وأكد أن التفاوض يحتاج إلى ضغط ليكون له ثمن، والتصعيد يحتاج إلى نافذة سياسية حتى لا ينفلت، وبين الإثنين تتحرك السياسة الأمريكية والإيرانية، في صراع طويل النفس، يُدار لا ليُحسم، بل ليبقى تحت السيطرة.. والسؤال الحقيقي ليس: هل سيتفاوضان أم يتصاعدان؟
بل: كيف سيُستخدم كل منهما لخدمة ميزان القوى في اللحظة الإقليمية الراهنة؟
د. محمد عماد صابر









