21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

زلزال غزة في الوجدان العربي.. هل ينفجر الغضب الصامت بوجه الأنظمة؟

لم تكن الوقفة الاحتجاجية الأخيرة في تونس مجرد تعبير عابر عن التضامن مع فلسطين، بل كانت مؤشرا على زلزال غزة الذي سيتخطى حدود الجغرافيا التونسية ليصل إلى كافة العواصم العربية.

بقلم: محمد أبو غالي
١٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
10 مشاهدة
زلزال غزة في الوجدان العربي

زلزال غزة في الوجدان العربي

لم تكن الوقفة الاحتجاجية الأخيرة في تونس مجرد تعبير عابر عن التضامن مع فلسطين، بل كانت مؤشرا على زلزال غزة الذي سيتخطى حدود الجغرافيا التونسية ليصل إلى كافة العواصم العربية.

بحسب تقارير "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" الصادرة في فبراير 2026، شهدت البلاد تصاعدًا في نسق الاحتجاجات بنسبة تجاوزت 23% مقارنة بالعام الماضي، حيث تداخلت المطالب المعيشية والسياسية مع الغضب المتفجر من استمرار المجازر في غزة منذ أكتوبر 2023.

إن عودة الشارع التونسي، الذي كان مهد "الربيع العربي"، إلى التظاهر تحت شعارات "الظلم مؤذن بالثورة" يعكس حالة من الإحباط العميق من عجز المنظومات الرسمية عن لجم العدوان الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا.

هذا الحراك في تونس يمثل حالة "المجهر" للمزاج العربي العام، حيث تشير استطلاعات "الباروميتر العربي" لعام 2026 إلى أن القضية الفلسطينية استعادت مركزيتها القصوى كقضية محلية في كل بيت عربي، وليست مجرد شأن خارجي.

إن إبراز زيف الرواية الإسرائيلية التي حاولت طمس الحقيقة عبر عامين من التضليل، لم ينجح في كسر إرادة الشعوب، بل أدى إلى تعميق الفجوة بين الجماهير التي ترى في المقاومة خيارًا مشروعًا بنسبة تجاوزت 90% في بعض الدول، وبين الأنظمة التي تترنح بين ضغوط واشنطن في عهد الرئيس ترامب وبين غليان الشارع الذي لم يعد يقبل بسياسات "إدارة الصراع" التقليدية.

الاستقرار السياسي على المحك

يقف الاستقرار السياسي في المنطقة العربية اليوم أمام اختبار وجودي لم يسبق له مثيل منذ ستة عقود، حيث أدت الحرب المستمرة وتداعياتها إلى تهشيم التحالفات القديمة وزعزعة شرعية العديد من المؤسسات.

وفقًا لتحليلات "مركز الزيتونة للدراسات" في يناير 2026، فإن الأنظمة العربية تجد نفسها في موقف "التوازن الهش"، حيث تحاول احتواء الغضب الشعبي عبر السماح بوقفات احتجاجية منضبطة مثل تلك التي حدثت في تونس، لكنها تخشى في الوقت ذاته من تحول هذه المسيرات إلى "تسونامي" يطالب بتغييرات سياسية جذرية، خاصة مع استمرار الدور الأمريكي المباشر في تسليح الاحتلال وتوفير الغطاء الدبلوماسي لمجازره.

إن تأثير الحرب على الاستقرار لم يعد يقتصر على المظاهرات، بل امتد ليشكل أزمة هوية سياسية؛ فالمواطن العربي يرى التناقض الصارخ بين قيم الديمقراطية التي تروج لها أمريكا وبين صمتها أو مشاركتها في إبادة شعب أعزل.

هذا التناقض يغذي تيارات الرفض الشعبي ويجعل من استمرار مشاريع التطبيع أو "السلام الاقتصادي" التي يروج لها الرئيس ترامب منذ توليه السلطة في 2024 أمرًا محفوفًا بالمخاطر الأمنية والسياسية، إذ بات الشارع يربط بوضوح بين الاستبداد الداخلي وبين العجز تجاه القضية الفلسطينية، مما يمهد الطريق لموجة جديدة من الاضطرابات التي قد تعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط من جديد.

زيف الوعود وضريبة الصمت

تستمر الإدارة الأمريكية في ممارسة سياسة الابتزاز عبر طرح خطط لإعادة إعمار غزة مطلع عام 2026، وهي خطط يراها المزاج العربي العام بمثابة "رشوة سياسية" مقابل نزع السلاح وتصفية القضية.

بحسب مصادر إعلامية من "الجزيرة"، فإن المقترحات الأمريكية لنشر "قوات استقرار دولية" تُقابل برفض شعبي كاسح، لأنها تكرس الوصاية الخارجية وتتجاهل حقيقة المجازر المروعة التي ارتكبها الاحتلال. هذا الوعي الجمعي العربي أصبح أكثر قدرة على كشف المحاولات الأمريكية لتجميل صورة إسرائيل، حيث أصبحت الفيديوهات الموثقة للمجازر أقوى من كل الماكينات الإعلامية الغربية، مما جعل من الصعب على أي نظام عربي تمرير تنازلات سياسية تحت غطاء التنمية.

أخيرا، إن المزاج العربي في 2026 يتسم بـ "الراديكالية العقلانية"؛ فهو لم يعد ينجر وراء العواطف فقط، بل يبني مواقفه بناءً على تحليل دقيق للدور الأمريكي التخريبي في المنطقة.

إن استقرار الأنظمة بات مرهونًا بمدى قدرتها على التناغم مع نبض الشارع الذي يرى في فلسطين بوصلة الحرية، وأي محاولة لفرض واقع سياسي يتجاوز حقوق الفلسطينيين ستكون فتيلًا لانفجارات اجتماعية وسياسية لن تتوقف عند حدود قطاع غزة، بل ستمتد لتشمل العواصم التي راهنت على صمت شعوبها طويلاً، لتكتشف أن فلسطين لا تزال هي المحرك الأول والأخير للتاريخ في هذه المنطقة.

 

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال