يشهد السودان استمراراً مروّعاً للمعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، ما أسفر عن مأساة إنسانية واسعة النطاق، مع نزوح أكثر من 11 مليون شخص، وفق الأمم المتحدة. ومع قرب دخول الحرب عامها الثالث، تصاعدت الاشتباكات في مناطق حيوية مثل جنوب كردفان وشمال دارفور، بينما تتداخل أبعاد الصراع المحلي مع التنافس الدولي على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر، ما يعقد جهود التهدئة ويطيل أمد الأزمة.
جنوب كردفان: نزوح كارثي وسط معارك متصاعدة
أكدت نازك أبو زيد، رئيسة مكتب "أطباء السودان من أجل حقوق الإنسان"، أن أكثر من 700 ألف شخص نزحوا من مناطق جنوب كردفان، فيما استقبلت مدينة الأُبيض أكثر من مليون نازح، وسط توسع سريع لمناطق المجاعة في الإقليم، وأوضحت أن أكثر من ثلثي الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، مع ارتفاع الوفيات بين النساء الحوامل، في ظل نقص حاد بالمواد الطبية الأساسية.
وفق المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، نزح أكثر من 115 ألف شخص من كردفان بين أكتوبر 2025 وبداية فبراير 2026، بينما تحكم قوات الدعم السريع قبضتها على إقليم دارفور المجاور منذ نهاية أكتوبر، ما ساهم في توسع رقعة النزوح والضغط الإنساني في المنطقة.
يعتبر إقليم كردفان منطقة استراتيجية لاحتوائه على أراضٍ زراعية غنية وحقول نفط، بالإضافة إلى كونه ممراً حيوياً بين دارفور غرباً والعاصمة الخرطوم ومدن شرق السودان، التي يسيطر عليها الجيش، وهذا ما يجعل الصراع هناك مرتبطاً ليس فقط بالصراع الداخلي على السلطة، بل بمصالح دولية واقليمية، خصوصاً أن البحر الأحمر المجاور يمثل ممرّاً استراتيجياً للتجارة والنفط.

شمال دارفور: مأساة النزوح القسري
في أقصى الولاية الشمالية، تبرز مأساة مخيم "العفاض" بمحلية "الدبة" نموذجاً حياً للنزوح القسري. حيث نقلت الجزيرة مباشر شهادات النازحين من مدينة الفاشر، الذين هربوا من القصف والجوع وانعدام الأمان. بعض الأسر سارت مئات الكيلومترات على الأقدام تحت حرارة الشمس الشديدة بحثاً عن ملاذ آمن، بينما اضطر البعض إلى أكل أوراق الشجر وعلف الحيوانات بعد انقطاع الغذاء.
محاسن محمدين، معلمة نازحة من الفاشر، روت رحلة هروبها التي استغرقت ثلاثة أيام، تضمنت اعتداءات متكررة من قبل قوات الدعم السريع أثناء مرورها بالقُرى، واختفاء زوجها الطبيب الذي اقتادته القوات لعلاج المصابين دون أي معلومات عن مصيره حتى الآن.
وفي المخيم، تعمل محاسن على تقديم الدعم النفسي والتعليم للأطفال من خلال "المساحة الصديقة للأطفال"، محاولًة التخفيف من آثار الصدمة النفسية على الجيل الناشئ، الذي فقد الاستقرار والحق في التعليم.
الحرب السودانية والتنافس الدولي على البحر الأحمر
لا تقتصر الحرب على أبعاد محلية فقط، بل تتقاطع مع التنافس الدولي على البحر الأحمر، حيث يمثل الممر المائي نقطة استراتيجية للتجارة العالمية وطرق النفط والغاز. هذا التنافس يضيف بعداً آخر للصراع، إذ تسعى قوى دولية وإقليمية لضمان نفوذها على الساحل البحري السوداني، ما يجعل استقرار السودان غير مضمون ويعقد أي جهود لإنهاء الحرب داخلياً.
القواعد والموانئ على البحر الأحمر، خصوصاً قرب منطقة دارفور وكردفان، تشكل أهدافاً استراتيجية للتحالفات الإقليمية والدولية، إذ يحرص كل طرف على حماية مصالحه في الممر البحري، ما يحوّل الحرب السودانية إلى ساحة مواجهة ضمن سياق أوسع من المنافسة الدولية.
آثار إنسانية كارثية
الوضع الإنساني في السودان وصل إلى مرحلة حرجة. في جنوب كردفان، الأطفال والنساء الحوامل الأكثر تأثراً، بينما في دارفور، يعيش النازحون في مخيمات مزدحمة بلا موارد كافية للطعام أو المياه النظيفة. النزوح الجماعي يضغط على المدن المستضيفة مثل الأُبيض، ويزيد من سوء التغذية وانتشار الأمراض، فيما الطواقم الطبية تعمل فوق طاقتها في ظل نقص الإمدادات.
كما يعكس استمرار الحرب منذ ثلاثة أعوام فشل المبادرات السياسية المحلية والدولية في إيقاف النزاع، مع بقاء المدنيين في مواجهة مباشرة مع النزوح، العنف، والجوع، وسط صعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
السودان: منافسة إقليمية ودولية
تكشف المعارك في جنوب كردفان وشمال دارفور أن الحرب السودانية ليست مجرد صراع داخلي على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل جزء من منافسة إقليمية ودولية على البحر الأحمر. النزوح الجماعي والكارثة الإنسانية يعكسان ثمن هذه الحرب، حيث تتحول المناطق الاستراتيجية إلى مسرح لصراع متعدد المستويات.
وبين استمرار القتال وارتفاع أعداد النازحين، يظل السودان في دائرة الأزمة الإنسانية والسياسية المستمرة، ما يجعل إنهاء الحرب أمراً صعب التحقيق في ظل تداخل المصالح الدولية والإقليمية.








