يشكل توقف عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في الضفة الغربية تهديدًا حقيقيًا للمنظومة الإنسانية والخدماتية التي يعتمد عليها أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني. هذا التوقف المحتمل لا يمثل مجرد أزمة مؤقتة، بل يشكل منعطفًا قانونيًا وإنسانيًا خطيرًا يطال الحقوق الأساسية للاجئين الفلسطينيين، ويعيد فتح النقاش الدولي حول الالتزامات القانونية تجاههم.
وكان برلمان الاحتلال "الكنيست" قد أقر في 28 أكتوبر 2024 قانوناً ينهي أنشطة الأونروا في الأراضي التي تسيطر عليها، ما يمثل تهديداً مباشرًا لاستمرارية عمل الوكالة، ويمثل جزءاً من سياسات الاحتلال الرامية إلى تقييد نشاط المؤسسات الأممية وفرض سيطرة كاملة على القطاع.
ويهدف الاحتلال من استهداف الأونروا إلى ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في تقويض الدعم الدولي للفلسطينيين، من خلال تعطيل عمل الوكالة وعرقلة وصول الخدمات الأساسية للاجئين، وكذلك فرض السيادة الإسرائيلية على القدس، عبر الاستيلاء على المرافق الدولية وتغيير الوضع القائم منذ عقود، إضافة إلى تقويض الشرعية الدولية، بتحدي القانون الدولي وانتهاك الحصانات التي تكفلها الأمم المتحدة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار قدرته على الردع.
وتوضح هذه الأحداث أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة العسكرية على الأراضي، بل يسعى إلى إضعاف المؤسسات الأممية التي تدعم اللاجئين الفلسطينيين، خاصة وكالة الأونروا. وتشكل هذه الممارسات انتهاكاً صريحاً للقوانين الدولية وتستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لحماية الوكالة وموظفيها وضمان استمرار تقديم خدماتها الحيوية في الأراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يقدم المختص بالقانون الدستوري والنظم السياسية، أ.ساري سعد، لموقع "180 تحقيقات" قراءة تحليلية شاملة لما قد يترتب على توقف عمل الأونروا، من انعكاسات قانونية، حقوقية، وسياسية، على الوضع الإنساني الفلسطيني، مؤكدًا أن الأمر يتجاوز مجرد إدارة أزمة مالية أو خدماتية، ليصبح ملفًا استراتيجيًا يؤثر على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
أولًا: حجم الكارثة الإنسانية المتوقعة بالأرقام
قال ساري سعد إن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا في الضفة الغربية يبلغ نحو 870 ألف لاجئ يعيشون في 19 مخيمًا رسميًا، ويعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على خدمات الوكالة في المجالات التالية:
التعليم:
أوضح سعد أن أكثر من 90 ألف طالب وطالبة يتلقون تعليمهم في 96 مدرسة تديرها الأونروا، ويعمل فيها حوالي 4,000 موظف تعليمي.
الصحة:
أشار سعد إلى أن نحو 500 ألف لاجئ يستفيدون من خدمات 43 مركزًا صحيًا تشمل الرعاية الأولية، وصحة الأمومة والطفولة، والتحصين، وعلاج الأمراض المزمنة.
الإغاثة الاجتماعية:
أكد المختص بالقانون الدستوري أن قرابة 150 ألف أسرة تعتمد على برامج المساعدات الغذائية والنقدية، خصوصًا في ظل معدلات الفقر والبطالة التي تتجاوز 30% في بعض مناطق الضفة الغربية، كما ذكر أن الأونروا تشرف على مشاريع تحسين المساكن، الصرف الصحي، إدارة النفايات، ودعم المجتمعات الهشة.
وأضاف ساري سعد أن توقف هذه المنظومة سيعني عمليًا انهيار شبكة الأمان الاجتماعي لأكثر من نصف مليون إنسان، ودفع عشرات آلاف الأطفال خارج النظام التعليمي، وترك المرضى، خصوصًا مرضى السرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة، بلا رعاية صحية منتظمة، مؤكدًا أن هذا ليس خللًا إداريًا، بل كارثة إنسانية واسعة النطاق تحمل سمات العقاب الجماعي المحظور دوليًا.
ثانيًا: الانعكاسات القانونية لتوقف الأونروا على وضع اللاجئين وحقوقهم
قال ساري سعد إن أي تعطيل قسري لعمل الأونروا يترتب عليه تداعيات قانونية خطيرة تمس جوهر الوضع القانوني للاجئ الفلسطيني:
تقويض الوضع القانوني للاجئ الفلسطيني
أوضح سعد أن وجود الأونروا هو الاعتراف الدولي العملي والمستمر بصفة اللجوء، وتعطيلها يفتح الباب لمحاولات سياسية وقانونية لشطب هذا الوضع، تمهيدًا لإسقاط: حق العودة، حق التعويض، وحق الحماية الدولية، وأكد أن ذلك يتناقض صراحة مع القرار (194) ومع قواعد القانون الدولي الإنساني.
انتهاك مباشر لاتفاقية جنيف الرابعة (1949م)
وأشار إلى أن الضفة الغربية أرض محتلة، وأن القوة القائمة بالاحتلال تتحمل المسؤولية الكاملة عن توفير الرعاية الصحية والغذائية والخدمات الأساسية للسكان، وفق المادة (55) والمادة (56) من اتفاقية جنيف الرابعة، مؤكدًا أن عرقلة عمل الأونروا دون توفير بديل مكافئ يشكل جريمة تقصير جسيم قد ترقى إلى انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني.
خرق مبدأ عدم جواز العقاب الجماعي
وأكد أن المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة نصت على أنه لا يجوز معاقبة السكان المدنيين على أفعال سياسية أو أمنية مزعومة، وهو ما ينطبق على تعطيل خدمات الأونروا.
ثالثًا: دور محكمة العدل الدولية في حال تصاعد النزاع
قال ساري سعد إن محكمة العدل الدولية تمثل المرجعية القضائية العليا للنزاعات القانونية بين الدول والمنظمات الدولية، ويمكن أن تلعب دورًا محوريًا عبر:
إصدار رأي استشاري دولي، كما حصل في قضية جدار الفصل العنصري عام 2004، حيث أصدرت المحكمة رأيًا قانونيًا تاريخيًا أكد عدم شرعية الاحتلال وإجراءاته.
تثبيت المسؤولية القانونية للاحتلال، عبر إثبات أن عرقلة عمل الأونروا تمثل خرقًا مباشرًا لالتزامات دولة الاحتلال تجاه السكان.
تعزيز مسار الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، عبر توفير أرضية قانونية داعمة لاعتبار تعطيل الخدمات الإنسانية جريمة حرب.

رابعًا: السيناريوهات القانونية المحتملة لانهيار نظام الأونروا
أوضح ساري سعد أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة
قال إن هذا السيناريو الأقرب قانونيًا، لكنه يصطدم بواقع أن الاحتلال لا يملك إرادة سياسية لتوفير هذه الخدمات، ما ينذر بانفجار اجتماعي واسع.
نقل الملف إلى مفوضية اللاجئين (UNHCR)
أشار إلى أن هذا السيناريو يعني شطب الخصوصية القانونية للاجئ الفلسطيني، وتذويب القضية ضمن أطر لجوء عامة، وتقويض حق العودة وتحويله إلى ملف إعادة توطين.
انهيار شامل للنظام الإغاثي
أكد أن هذا يؤدي إلى انفجار الأوضاع المعيشية، تفكك النسيج الاجتماعي، تصاعد معدلات الهجرة القسرية، وخلق بيئة اضطراب أمني شامل.
خامسًا: البعد الإنساني – ما لا تقوله الأرقام
أوضح ساري سعد أن خلف كل رقم إنسان، طفل يفقد حقه في التعليم، مريض يُحرم من الدواء، أسرة تفقد مصدر الغذاء الوحيد، وأم تخشى على مستقبل أبنائها، وقال إن استهداف الأونروا هو استهداف مباشر لكرامة اللاجئ الفلسطيني، ومحاولة منظمة لتصفية قضية اللاجئين عبر تفريغها من مضمونها الإنساني والقانوني.
سادسًا: مسؤولية السلطة الوطنية الفلسطينية والدور المطلوب منها
أكد ساري سعد أن على السلطة الوطنية الفلسطينية مسؤولية قانونية ووطنية وأخلاقية مباشرة في قيادة حراك دبلوماسي وقانوني شامل لمواجهة أي مساس بالأونروا، معربًا عن أهمية الانتقال من إدارة الأزمة إلى قيادة المواجهة السياسية والقانونية، عبر مسارات متوازية ومتكاملة تشمل:
التحرك الأممي والقانوني المنظم:
تفعيل المسار القانوني الدولي عبر طلب جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة وفق آلية الاتحاد من أجل السلام، واستصدار قرار دولي ملزم سياسيًا وأخلاقيًا يجرّم تعطيل عمل الأونروا، ويؤكد على إلزامية استمرار تفويضها وحمايتها.
تفعيل الدور العربي والإسلامي المؤسسي:
دعا إلى ضرورة إشراك جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لعقد قمم طارئة لملف الأونروا، تشمل إنشاء صندوق دعم مالي دائم، وتشكيل لجنة قانونية عربية – إسلامية لملاحقة أي جهة تقوض عمل الوكالة.
تحريك الجبهة الدبلوماسية العالمية:
أكد أهمية توجيه السفارات والبعثات الفلسطينية حول العالم لتنفيذ حملة ضغط سياسية وإعلامية وقانونية منسقة تستهدف البرلمانات الوطنية ووزارات الخارجية ومراكز القرار ومنظمات المجتمع المدني الدولية، بهدف تحويل قضية الأونروا إلى ملف رأي عام عالمي.
بناء تحالف دولي لحماية الأونروا:
أشار إلى ضرورة تشكيل ائتلاف دولي من الدول الداعمة للشرعية الدولية، يشمل أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لتبني موقف سياسي وقانوني موحد لحماية تفويض الأونروا ومنع استهدافها.
ربط ملف الأونروا بالمسار السياسي الأشمل:
أكد أنه يجب إدراج قضية الأونروا ضمن أي مسار تفاوضي أو تحرك سياسي دولي، باعتبارها ملفًا سياديًا حقوقيًا غير قابل للمساومة، ورفض التعامل معها كقضية إغاثية محضة.
وقال إن تقاعس السلطة الوطنية الفلسطينية عن أداء هذا الدور لا يعني فقط ترك أكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في مواجهة مصير إنساني مجهول، بل يفتح الباب أمام مشروع سياسي يستهدف تصفية قضية اللاجئين وإنهاء أحد أعمدة القضية الفلسطينية التاريخية.
سابعًا: الخلاصة الاستراتيجية
أكد ساري سعد أن توقف عمل الأونروا في الضفة الغربية لا يمثل أزمة إغاثية مؤقتة، بل تحولًا استراتيجيًا خطيرًا في مسار الصراع، يستهدف الأرض والإنسان والحق، وأن أي تساهل دولي في هذا الملف يعني عمليًا المشاركة في إعادة هندسة القضية الفلسطينية على حساب الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.









