دخلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مرحلة متقدمة من التصعيد الميداني في مدينة القدس المحتلة، اليوم الأحد، عبر إصدار سلسلة جديدة من قرارات الإبعاد التعسفية بحق عشرات الشخصيات المقدسية الفاعلة.
وتأتي هذه الخطوات في توقيت حساس يسبق حلول شهر رمضان المبارك بأسابيع قليلة، حيث تسعى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تقليص الحضور الفلسطيني داخل باحات المسجد الأقصى المبارك إلى أدنى مستوياته.
وأفادت مصادر رسمية في محافظة القدس بأن هذه الموجة تستهدف بشكل مباشر الكوادر الإعلامية وحراس المسجد والأسرى المحررين، في محاولة لترهيب الحاضنة الشعبية المرابطة ومنع أي مظهر من مظاهر الاحتشاد الديني والوطني الذي يميز الشهر الفضيل في القدس.
استهداف الأقلام والحراس: الصادق وعليان في دائرة المنع
في تفاصيل الانتهاكات المسجلة اليوم، أبلغت مخابرات الاحتلال الصحفي المقدسي محمد الصادق والشاب قصي أبو تركي بقرار إبعادهما عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر كاملة، وهو ما ينسجم مع سياسة تكميم الأفواه ومنع التغطية الإعلامية للانتهاكات داخل الحرم.
وفي سياق متصل، طالت قرارات الإبعاد الأسير المحرر وحارس المسجد الأقصى فادي عليان، الذي سُلم قراراً بالإبعاد للمدة ذاتها (6 أشهر).
ويعد عليان من الحراس الذين تعرضوا لملاحقات مستمرة شملت الاعتقال وهدم المنزل، مما يؤكد أن استهداف الحراس يهدف إلى إضعاف المنظومة الإدارية والرقابية التابعة للأوقاف الإسلامية، وترك الساحة مفتوحة للاقتحامات الاستيطانية دون رادع أو توثيق.
أرقام وإحصائيات: 150 حالة إبعاد منذ مطلع 2026
تشير المعطيات الصادرة عن وحدة التوثيق في محافظة القدس إلى تصاعد مخيف في وتيرة الملاحقة القضائية والأمنية للمقدسيين؛ حيث تم توثيق نحو 150 حالة إبعاد منذ بداية يناير/كانون الثاني الماضي وحتى منتصف فبراير الجاري.
وتتوقع الجهات الحقوقية أن يتراوح العدد الإجمالي للمبعدين قبيل دخول شهر رمضان ما بين 200 و300 شخص، وهي حصيلة تعكس رغبة الاحتلال في "هندسة" الوجود الفلسطيني داخل البلدة القديمة.
وما يثير القلق بشكل أكبر هو لجوء سلطات الاحتلال إلى أساليب غير رسمية في التبليغ، مثل المكالمات الهاتفية أو الرسائل عبر التطبيقات الإلكترونية، مما يصعب عملية الطعن القانوني على هذه القرارات ويجعل المقدسيين في حالة من عدم اليقين القانوني الدائم.
الأبعاد السياسية والدينية لسياسة الإخلاء القسري
يرى مراقبون ومحللون لشؤون القدس أن هذه الإجراءات تتجاوز "المخاوف الأمنية" المزعومة، لتصب في خانة فرض واقع جديد يهدف إلى التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.
إن إبعاد الشخصيات المؤثرة والحراس والمرابطين يفرغ المسجد من "صدوده" البشرية، ويهيئ الأجواء لجماعات الهيكل المزعوم لتنفيذ اقتحامات كبرى خلال الأعياد اليهودية التي تتزامن أحياناً مع المناسبات الإسلامية.
وتؤكد محافظة القدس أن هذه السياسة تهدف إلى تقليص أعداد المصلين وتحويل المسجد الأقصى إلى ثكنة عسكرية، حيث يتم التحكم في هوية وأعمار الداخلين إليه، مما يضرب في الصميم حرية العبادة التي تكفلها كافة المواثيق الدولية، ويحول دون وصول الفلسطينيين من الضفة الغربية والداخل المحتل إلى قبلتهم الأولى.
يبقى المقدسيون السد المنيع في وجه هذه المخططات رغم فداحة الثمن الشخصي والاجتماعي الذي يدفعونه جراء الإبعاد والحرمان من الصلاة.
إن إبعاد 300 مقدسي قبيل رمضان 2026 هو اعتداء صارخ على الحقوق الدينية والمدنية، يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً يتخطى بيانات التنديد نحو حماية فعلية للمسجد الأقصى وهويته الإسلامية الخالصة.
ومع اقتراب الشهر الفضيل، تظل العيون شاخصة نحو بوابات القدس، حيث يثبت الفلسطينيون كل يوم أن سياسة الإبعاد، مهما بلغت وحشيتها، لن تنجح في فك الارتباط الوجداني والديني بين الإنسان الفلسطيني وأرضه المقدسة، وأن كل قرار إبعاد يقابله إصرار أكبر على الرباط والثبات.










