في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك الحسابات الأمنية والسياسية على الحدود السورية-العراقية، يبرز موقف بغداد الداعم لأي تفاهمات داخلية سورية بوصفه انعكاساً لهواجس الاستقرار أكثر منه اصطفافاً سياسياً مباشراً.
فالعراق، الذي لا يزال يتعامل مع تداعيات الإرهاب وتحديات ضبط حدوده الغربية، ينظر إلى التطورات شرق الفرات باعتبارها عاملاً مؤثراً في أمنه الداخلي وتوازناته الإقليمية.
وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، في حوار خاص لـ«180 تحقيقات»، دوافع هذا الدعم وانعكاساته المحتملة على الأمن الحدودي والعلاقات الإقليمية، ومستوى ارتباطه بالملفات الداخلية العراقية.
وإليكم نص الحوار:
كيف يبرر العراق دعمه لاتفاق الحكومة السورية مع «قسد»؟ وما دوافعه سياسياً وأمنياً؟
يمكن للنظام في المنطقة الخضراء تبرير موقفه من خلال الركائز الرئيسية التالية:
مبدأ استقرار الدولة السورية ووحدة أراضيها
العراق الذي عانى ومايزال من تفكك السلطة وضعفها بعد الاحتلال نيسان 2003 يتبنى خطاباً رسمياً يدعم وحدة الدول المجاورة، وبالتالي فإن أي تفاهم بين الحكومة في سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية» يُنظر إليه كخطوة نحو احتواء النزاع المسلح ومنع التفكك.
الاعتبار الأمني الحدودي
يمتد الشريط الحدودي بين العراق وسوريا لمئات الكيلومترات في مناطق صحراوية مفتوحة (الأنبار – الحسكة – دير الزور)، وهي مناطق استغلها تنظيم تنظيم داعش سابقاً للتحرك والتمدد. أي تفاهم يُعيد ترتيب السيطرة الأمنية في شرق سوريا يُعد مكسباً مباشراً لبغداد.
البراغماتية السياسية
العراق المحتل بسبب وهن الأوضاع فيه يتبنى سياسة خفض التصعيد الإقليمي ويتفادى الانخراط في محاور حادة. دعم تفاهم سوري–سوري يُصوَّر كدعم للحوار الداخلي لا لطرف بعينه، وهو ما يمنح بغداد هامش توازن دبلوماسي.
ما تأثير هذا الدعم على توازنات الأمن الحدودي بين العراق وسوريا، خصوصاً في مناطق نشاط الجماعات المسلحة؟
الدعم العراقي يمكن أن يؤدي إلى تحسين التنسيق الاستخباري بين بغداد والجهات المسيطرة شرق الفرات.وبتقليص الفراغات الأمنية التي تستغلها الجماعات المسلحة وإعادة ضبط المعابر غير الرسمية التي كانت تُستخدم للتهريب ونقل العناصر المتطرفة، لكن في المقابل إذا أثار هذا الموقف حساسية أطراف إقليمية فقد ينعكس عبر زيادة الضغوط العسكرية غير المباشرة في مناطق التماس.ناهيك عن توتر في مناطق مثل سنجار أو ربيعة إذا تداخلت الحسابات المحلية مع الإقليمية.
هل يعكس الموقف العراقي خشية من عودة نشاط تنظيم داعش في حال تعثر التفاهمات داخل سوريا؟
الجواب نعم إلى حد كبير.فالعراق ما يزال يعتبر خطر تنظيم داعش خطرًا كامناً لا منتهياً. ((رغم أن النظام في بغداد أطلق التصريحات مرارا بانهم انهوا وجود هذا التنظيم في العراق ؟!) ، لذلك فالتجربة بين 2013–2014 أظهرت أن انهيار التفاهمات داخل سوريا انعكس مباشرة على الداخل العراقي. لذلك فإن أي فراغ أمني شرق الفرات يعني احتمال إعادة تموضع خلايا التنظيم والغريب أن هذه الخلايا تعود إلى الحياة كلما مر العراق بمشاكل او ظروف يمكن أن تقلص نفوذ عملاء ايران في العراق ؟؟!! ، وأي صراع بين النظام في سوريا وقسد يعني فرصة للتنظيم لاستغلال الانشغال المتبادل، بالتالي، دعم التفاهمات يُقرأ كسياسة وقائية أكثر منه اصطفافاً سياسياً.
كيف يمكن أن يؤثر هذا الدعم على علاقات بغداد مع القوى الإقليمية المتحفظة على دور قسد؟
بعض القوى الإقليمية خصوصاً تركيا تنظر إلى «قسد» من زاوية ارتباطاتها الكردية وتعتبرها تهديداً أمنياً لذلك قد يؤدي الموقف العراقي إلى حساسية سياسية مع أنقرة إذا فُهم الدعم على أنه شرعنة لدور عسكري كردي مستقل وضغط دبلوماسي غير مباشر على بغداد لإعادة صياغة خطابها بحيث يؤكد وحدة سوريا وعدم دعم أي نزعة انفصالية لكن العراق قد يوازن ذلك عبر تأكيد رفضه لأي مشروع انفصالي والتشديد على أن دعمه منصبّ على تفاهم داخلي سوري لا على كيان مستقل.
إلى أي مدى يرتبط الموقف العراقي بحسابات داخلية تتعلق بالملف الكردي أو الاستقرار في شمال البلاد؟
هذا البعد مهم جداً.فالعراق يضم إقليم إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي دستوري ؟! وحكومة بغداد تدرك أن أي تصعيد إقليمي في الملف الكردي سينعكس على التوازن الداخلي وأي صدام واسع بين تركيا وقوى كردية في سوريا قد يمتد تأثيره إلى شمال العراق و بالتالي فإن دعم تفاهم سوري–كردي قد يخدم هدفين داخليين منع انتقال التوتر إلى الحدود العراقية وتعزيز نموذج “الحكم الذاتي ضمن الدولة الواحدة” بدل مشاريع الانفصال والموقف العراقي يبدو أقرب إلى حسابات أمنية وقائية منه إلى اصطفاف أيديولوجيهو تعبير عن خشية من عودة الفوضى العابرة للحدود ((رغم أن العراق يعيش الفوضى منذ احتلاله)) ورغبة في تثبيت معادلة دولة موحدة مع ترتيبات لامركزية كذلك هي محاولة موازنة العلاقات بين دمشق وأنقرة وطهران دون الانخراط في محور صدامي.
في المحصلة، يكشف الموقف العراقي من التفاهمات داخل الساحة السورية عن مقاربة تحكمها اعتبارات الأمن الحدودي وتوازن العلاقات الإقليمية أكثر مما تحكمها الاصطفافات الأيديولوجية.
فبغداد تسعى إلى تقليل احتمالات الفراغ الأمني ومنع عودة تهديدات عابرة للحدود، بالتوازي مع الحفاظ على مساحة مناورة دبلوماسية مع القوى الفاعلة في الإقليم.
وبين هواجس الاستقرار وتعقيدات الداخل، يبدو الدعم العراقي تعبيراً عن سياسة وقائية تستهدف احتواء المخاطر قبل تفاقمها غير أن فعالية هذه المقاربة ستظل مرهونة بتطورات الميدان السوري، وبقدرة الأطراف المختلفة على تثبيت تفاهمات قابلة للاستمرار.









