20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ربحي الجديلي يكتب: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني (3).. اليوم التالي يبدأ قبل أن تبدأ الحرب

الحقيقة التي تؤكدها تجارب الدول وحركات التحرر أن “اليوم التالي” لا يبدأ بعد توقف النار، بل يبدأ لحظة التفكير في إطلاقها.

بقلم: د. ربحي الجديلي
١٧ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
15 مشاهدة
إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني

إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني

في كل جولة صراع، ينشغل الجميع بسؤال واحد: متى تبدأ المواجهة؟ وكيف ستجري؟

لكن السؤال الأخطر لا يُطرح غالبًا إلا بعد فوات الأوان: ماذا بعد؟

الحقيقة التي تؤكدها تجارب الدول وحركات التحرر أن “اليوم التالي” لا يبدأ بعد توقف النار، بل يبدأ لحظة التفكير في إطلاقها.

الحرب قرار سياسي قبل أن تكون حدثًا عسكريًا

قد تبدو الحرب فعلًا ميدانيًا، لكن قرارها سياسي بامتياز.

هو قرار يتعلق بالمجتمع كله، لا بالمقاتلين فقط.

حين يُتخذ قرار المواجهة، يجب أن يكون واضحًا:
- ما الهدف المحدد؟
- ما سقف التصعيد؟
- ما الكلفة المتوقعة؟
- ما شروط التوقف؟
- وكيف سنُدير المرحلة التالية؟

إذا غابت هذه الأسئلة، تتحول الحرب من أداة ضغط إلى مسار مفتوح لا يملك أحد نهايته.

 المشكلة ليست في القدرة على القتال

في الحالة الفلسطينية، شكّل العمل المقاوم عنصرًا محوريًا في تثبيت القضية، سواء في تجربة منظمة التحرير الفلسطينية أو في صعود قوى مثل حركة حماس.

لكن إدارة مجتمع تحت حصار وضغط دولي واقتصادي تختلف عن خوض مواجهة عسكرية فقط.

غزة، على سبيل المثال، ليست جبهة عسكرية فحسب؛
هي مجتمع مكتظ، واقتصاد هش، وبيئة إنسانية شديدة الحساسية.

في مثل هذا السياق، يصبح سؤال “اليوم التالي” مسألة حياة يومية للناس، لا مجرد بند في خطاب سياسي.

👈 اليوم التالي يعني ماذا؟

يعني:
- من يدير الفراغ الأمني؟
- من يعيد بناء ما تهدّم؟
- كيف تُدار المساعدات؟
- كيف تُضبط الفوضى؟
- كيف يُعاد ترتيب العلاقة مع الإقليم والعالم؟

إذا لم تكن هناك إجابات واضحة قبل التصعيد، فإن الثمن لا يُدفع فقط في ساحة المعركة، بل في الشوارع والمستشفيات والمدارس بعد انتهائها.

 حين تتقدم اللحظة على الاستراتيجية

أخطر ما يمكن أن يحدث في أي صراع هو أن تتحكم اللحظة في القرار.

اللحظة تحمل غضبًا، وضغطًا، ورغبة في الرد.
لكن الاستراتيجية تتطلب حسابًا باردًا، ورؤية أوسع، وتقديرًا للنتائج البعيدة.

مرة أخرى نقول أن السياسة هي التي يجب أن تسبق البندقية، لا أن تلحق بها.
وإلا أصبح “اليوم التالي” مفاجأة غير محسوبة.

 إدارة الصمود لا تقل أهمية عن صناعة الحدث

الصمود ليس مجرد قدرة على التحمل.
هو قدرة على الإدارة.
- إدارة الموارد.
- إدارة التوقعات.
- إدارة العلاقات الدولية.
- إدارة الانقسام الداخلي.

بدون ذلك، قد يتحول الصمود نفسه إلى استنزاف طويل.

👈 الدرس البسيط

اليوم التالي ليس مرحلة لاحقة.. بل عنصر في القرار الأول.

قبل أن تبدأ الحرب، يجب أن تكون نهايتها مرئية.

قبل أن يُرفع السقف، يجب أن تُعرف لحظة خفضه.

وقبل أن يُدفع المجتمع إلى مواجهة، يجب أن يُسأل: ماذا بعد؟

في عالم معقد كواقعنا، لا يكفي أن نكون قادرين على المواجهة.
الأهم أن نكون قادرين على تصور الخروج منها.

لأن من لا يخطط لليوم التالي قبل أن تبدأ الحرب،
قد يجد نفسه يعيش في “اليوم التالي” دون خطة.

د. ربحي الجديلي

سياسي وأكاديمي فلسطيني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال