11 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مبدأ القبول والسلامة: لماذا تفشل القرارات الصحيحة أحيانًا؟

من أكثر الأخطاء شيوعًا في الإدارة والقيادة وصناعة القرار الاعتقاد بأن القرار الصحيح فنيًا يكفي لنجاحه. فالواقع يثبت أن جودة القرار وحدها لا تضمن نجاحه.

بقلم: د. ربحي الجديلي
منذ 4 يوم
4 دقائق قراءة
9 مشاهدة
اتخاذ القرار

اتخاذ القرار

من أكثر الأخطاء شيوعًا في الإدارة والقيادة وصناعة القرار الاعتقاد بأن القرار الصحيح فنيًا يكفي لنجاحه. فالواقع يثبت أن جودة القرار وحدها لا تضمن نجاحه، كما أن رضا الناس عنه لا يكفي إذا كان قرارًا خاطئًا أو ضارًا.

ولهذا يبرز ما يمكن تسميته بـ"مبدأ القبول والسلامة"، وهو أن أي قرار ناجح ينبغي أن يجمع بين عنصرين أساسيين:

  • السلامة الفنية: أي أن يكون القرار صحيحًا ومبنيًا على أسس علمية وواقعية سليمة.
  • القبول الاجتماعي أو التنظيمي: أي أن يحظى بقدر كافٍ من القبول لدى الذين سيطبقونه أو سيتأثرون به.

فإذا غابت السلامة الفنية ظهرت المشكلات والأخطاء، وإذا غاب القبول واجه القرار المقاومة والتعطيل وربما الفشل الكامل.

لكن الإشكالية الكبرى تظهر عندما يتعارض العنصران: ماذا لو كان القرار سليمًا من الناحية الفنية لكنه غير مقبول؟ أو كان مقبولًا لكنه أقل كفاءة من البدائل المتاحة؟

في علوم الإدارة الحديثة يقرر خبراء التغيير أن أفضل الحلول ليست دائمًا أكثرها كفاءة، وإنما أكثرها قابلية للتطبيق. فقرار ممتاز يرفضه الناس قد يفشل عمليًا، بينما قد ينجح قرار أقل جودة إذا حظي بدعم المنفذين وأصحاب المصلحة.

ولهذا يميل كثير من القادة الناجحين إلى تقديم القبول التدريجي على الكمال الفني، ما لم يترتب على ذلك خطر جسيم أو ضرر كبير.

الكعبة نموذجًا

بعد احتراق الكعبة قبل البعثة النبوية بسنوات، قررت قريش إعادة بنائها. واتخذت قرارًا لافتًا حين اشترطت ألا يدخل في بنائها إلا المال الذي تراه طيبًا، فاستبعدت أموال الربا والظلم والسرقة وغيرها من المكاسب المحرمة في نظرها.

ولما لم تكفِ الأموال المتاحة لإعادة البناء على الهيئة الأصلية، اختارت قريش تقليص مساحة البناء، فاستبعدت الجزء المعروف اليوم بحِجر إسماعيل، وأبقت علامة تدل على أنه من البيت.

وبعد فتح مكة أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن الكعبة لم تعد على قواعد إبراهيم عليه السلام، فأوضح أنه يعلم ذلك، وأنه لولا أن الناس حديثو عهد بالإسلام لهدمها وأعاد بناءها على الأساس الصحيح، وأضاف إليها ما أُخرج منها، وجعل لها بابين كما كانت.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، رغم أن إعادة البناء كانت الخيار الأصح من الناحية التاريخية والهندسية والشرعية؛ لأن مفسدة اضطراب الناس وتشويش إيمانهم كانت أكبر من مصلحة التصحيح الفني.

وهنا تتجلى عبقرية القيادة النبوية؛ إذ قدّمت المحافظة على استقرار المجتمع ووحدته وقبوله على تحقيق كمال فني يمكن تأجيله.

شواهد تاريخية أخرى

وليس هذا المثال الوحيد في التاريخ. فعندما تولى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الحكم، أوقف تطبيق حد السرقة عام الرمادة بسبب المجاعة العامة، رغم سلامة النص الشرعي، مراعاةً للظروف الاستثنائية وتحقيقًا لمقاصد العدالة.

وعندما دخل صلاح الدين الأيوبي القدس بعد تحريرها، لم يلجأ إلى الانتقام الجماعي رغم امتلاكه القدرة العسكرية، بل اختار سياسة أكثر قبولًا واستقرارًا، مما أسهم في ترسيخ حكمه وكسب احترام كثير من خصومه.

وفي العصر الحديث، فشلت مشاريع إصلاحية عديدة لأنها ركزت على صحة الفكرة وأهملت استعداد المجتمع لتقبّلها، بينما نجحت إصلاحات أخرى لأنها سارت بالتدرج، فجمعت بين الاتجاه الصحيح والقبول الشعبي.

الأولوية للمؤيدين

ومن أهم الدروس القيادية هنا أن المحافظة على القاعدة المؤيدة قد تكون أحيانًا أهم من تحقيق مكسب فني محدود.

فالقرار الذي يؤدي إلى نفور الأنصار أو خسارة الداعمين قد يحقق مكسبًا قصير الأمد، لكنه يضعف المشروع كله على المدى البعيد. ولذلك فإن القائد الحكيم لا يسأل فقط: "ما القرار الصحيح؟" بل يسأل أيضًا: "هل يمكن للناس أن يحملوا هذا القرار ويستمروا في دعمه؟"

فالقيادة ليست فن الوصول إلى القرار الأمثل نظريًا، بل فن الوصول إلى القرار الذي يمكن تطبيقه والمحافظة عليه وتحقيق أهدافه.

ولهذا فإن الحكمة العملية تقتضي الموازنة بين السلامة الفنية والقبول المجتمعي، مع تقديم القبول عند التعارض في معظم الحالات، إلا إذا كان تجاهل السلامة الفنية سيؤدي إلى خطر كبير أو ضرر جسيم لا يمكن احتماله.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ربحي الجديلي

سياسي وأكاديمي فلسطيني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

مبدأ القبول والسلامة: لماذا تفشل القرارات الصحيحة أحيانًا؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°