يعيش لبنان اليوم واحدةً من أكثر مراحله السياسية والاقتصادية تعقيداً، في ظلّ انهيارٍ ماليٍّ متواصل، وتآكلٍ في مؤسسات الدولة، وتراجعٍ خطير في ثقة المواطنين بالسلطة.
وفي هذا السياق، تتصاعد التساؤلات حول قدرة الشارع على فرض التغيير، وحول مصير الحكومة، ودور القوى المدنية في توجيه المسار المقبل، وتواجه حكومة نواف سلام ضغوطاً متزايدة نتيجة الضرائب والرسوم المتصاعدة، تدهور الخدمات الأساسية،الجمود في تنفيذ الإصلاحات،وفقدان الثقة الشعبية.
هذه العوامل تُراكم غضبا واسعا، وتدفع شرائح كبيرة من اللبنانيين إلى الاعتقاد بأنّ انفجار الشارع بات مسألة وقت.
غير أنّ التجربة اللبنانية تُظهر بوضوح أنّ الغضب وحده لا يُسقِط الحكومات، وأنّ الاحتجاجات من دون قيادة موحَّدة تُستنزَف سريعاً، فيما تبقى المنظومة السياسية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج نفسها.
رغم تفاقم الأزمات، نادراً ما تسقط الحكومات في لبنان بفعل الشارع وحده، وذلك لأسبابٍ بنيوية واضحة.
أولاً: غياب البديل المنظَّم.
حتى اليوم، لا توجد قوة سياسية موحّدة تمتلك برنامجاً إصلاحياً متكاملاً وجاهزية حقيقية لتسلُّم الحكم، ما يجعل أيّ حراكٍ عرضةً للتفكك.
ثانياً: الخوف من الفراغ.
كثير من اللبنانيين، رغم غضبهم، يرفضون إسقاط السلطة خوفاً من الفوضى والانهيار الكامل، في بلدٍ عانى طويلاً من الشلل المؤسسي.
ثالثاً: شبكة المصالح المتشابكة.
فالسلطة ليست أشخاصاً فقط، بل منظومة مترابطة من مالٍ، وإعلامٍ، وأحزابٍ، ونفوذٍ خارجيّ، وإداراتٍ عامة، تحمي نفسها بنفسها، وتُعيد إنتاج ذاتها مهما تبدّلت الوجوه.
التجارب السياسية تُثبت أنّ سقوط أيّ سلطة تنفيذية لا يحدث عفوياً، بل عند توافر أربعة شروط أساسية:
1. شارع واسع، مستمر، وغير موسمي.
2. قيادة موثوقة ذات شرعية شعبية.
3. برنامج بديل واضح وقابل للتنفيذ.
4. ضغط داخلي وخارجي متزامن.
من دون هذه العناصر، يبقى الغضب مجرّد احتجاجٍ عابر، لا يتحوّل إلى تغييرٍ بنيويّ.
في موازاة الحراك الشعبي، برزت منظمات مدنية سعت إلى لعب دور سياسي إصلاحي، وفي مقدّمها كلنا إرادة، التي حاولت في مراحل سابقة التأثير في السياسات العامة وفي الخطاب العام.
غير أنّ مستقبل هذا الدور يبقى مرتبطاً بعدة عوامل:
• قدرتها على الحفاظ على شرعيتها الشعبية.
• مدى استقلاليتها عن التمويل السياسي الخارجي.
• قدرتها على التحوّل من إطار ضاغط إلى مشروع حكم.
• نجاحها في بناء تحالفات وطنية عابرة للطوائف.
فإذا فقدت هذه العناصر، يتراجع تأثيرها تلقائياً، ويُفسَح المجال أمام ولادة أطرٍ جديدة بمشاريع مختلفة.
هل يولد مشروع جديد؟
المشهد اللبناني بطبيعته متحرّك. كلّ أزمة كبرى تُنتج مجموعات جديدة، بعضها صادق في طموحه الإصلاحي، وبعضها ظرفي أو مرتبط بحسابات انتخابية أو خارجية.لكن المشكلة ليست في عدد الجمعيات، بل في غياب مشروع سياسي قادر على الانتقال من منطق الاعتراض إلى منطق الحكم، ومن الشعارات إلى السياسات العامة.
لبنان لا يعاني نقصاً في الأصوات الناقدة، بل نقصاً في المشاريع القادرة على الإدارة.
الشارع اللبناني لا يخضع لجهة واحدة. هو خليط من قوى حزبية، ومجموعات مدنية، ونقابات، وتحركات عفوية. أحياناً تتقاطع المصالح فتبدو جهة ما وكأنها تقود المشهد، لكن التحكم الكامل بالشارع يبقى أمراً نادراً في بلدٍ تعدديّ ومعقّد كلبنان.
ولهذا، فإنّ أي محاولة لتوجيه الغضب الشعبي من دون تنظيم وطني جامع، تبقى محدودة الأثر.
الخلاصة السياسية
لبنان لا يحتاج قاضياً يُتقن النصوص ولا يُحسن الإدارة،
ولا تاجراً يفهم الأرباح ولا يفهم العدالة،
ولا رجل دينٍ يُجيد الوعظ ولا يُجيد السياسات العامة،
ولا قائداً عسكرياً يجيد استخدام القوة ولا يجيد بناء الدولة.
لبنان يحتاج إلى رجل دولة، يفهم الاقتصاد،يحترم القانون، يحمي السيادة، ويخضع للمحاسبة.
رجل دولة يرى في السلطة مسؤولية لا غنيمة، وفي الدولة مشروعاً لا مزرعة، وفي الشعب شريكاً لا عبئاً.
الغضب الشعبي يتراكم، وقد ينفجر في أي لحظة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل سينفجر؟
بل هل سيكون انفجاره منظَّماً ومثمراً، أم عشوائياً ومُهدِراً،
يُعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة؟
في لبنان، لم يعد المطلوب ثورة غضب،
بل ثورة وعي، وتنظيم، وبناء دولة.









