في عتمة الزنازين حيث تنقطع الصلة بالزمن، يحل شهر رمضان المبارك على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي لا كمناسبة دينية مبهجة، بل كمحطة جديدة من محطات التنكيل والحرمان.
ونقل المحامي خالد محاجنة شهادة صادمة تلخص واقع الحال؛ حيث فوجئ أحد الأسرى في سجن "جلبوع" ببداية الشهر الفضيل أثناء وجوده في قاعة المحكمة الإسرائيلية، إذ تعمدت إدارة السجون إخفاء موعد بدء الشهر عن الأسرى، في محاولة لكسر معنوياتهم وتجهيلهم بأبسط شعائرهم.
نقاش صاخب خلف النوافذ: "صيام الاحتياط"
يروي أسير محرر قضى عامين في اعتقاله الأخير تفاصيل الليلة الأولى من رمضان، واصفاً إياها بـ "ليلة الحيرة". يقول: "شهدت أقسام السجن نقاشاً صاخباً عبر النوافذ (الشبابيك). كان الأسرى يتساءلون: هل غداً هو أول أيام رمضان؟".
بين من دعا للصيام "احتياطاً" وبين من حاول الاستناد إلى معلومات مسربة من زيارات المحامين حول الحسابات الفلكية، بقي الجميع رهائن لسياسة التعتيم التي ينتهجها السجانون، في ظل انقطاع الراديو، التلفاز، والصحف، يصبح المحامي هو النافذة الوحيدة على العالم، وبدون زيارته، قد يصوم الأسير أو يفطر دون أن يدري يقيناً بأي يوم هو.
الصيام بلا سحور.. والإفطار على الفتات
المعاناة لا تتوقف عند الجهل بالموعد، بل تمتد لتطال الجسد الذي أنهكه الجوع أصلاً. فمنذ أكثر من عامين، تتبع إدارة السجون سياسة تجويع ممنهجة.
يدخل رمضان على الأسرى بلا "سحور" حقيقي؛ فالوجبات التي تقدم ليلاً لا تسمن ولا تغني من جوع، وغالباً ما يصل إليها الأسير وقد بلغ منه الجهد مبلغه.
أما الإفطار، فهو "وجع طويل" كما يصفه المحررون، لا موائد، لا تمر، ولا حتى ما يسد الرمق بشكل كافٍ، يُجبر الأسرى على الإفطار من "فتات الطعام" الذي لا يشبه طعام البشر، في تحول قسري للصيام من عبادة روحية إلى صراع يومي مع البقاء.
أسرى "النية المستمرة"
في زوايا السجون المظلمة، هناك من لم تفرق معه المواعيد كثيراً؛ أسرى مضربون عن الطعام أو يصومون "صيام الداوود" منذ أشهر وسنوات، هؤلاء، حسب الشهادات، يكتفون فقط بـ "تغيير النية" من صيام احتجاجي أو تطوعي إلى صيام الفريضة، رغم أن أجسادهم لم تعد تقوى على حملهم.
إن ما يحدث في سجون الاحتلال، وخاصة في سجن "جلبوع" و"نفحة" و"النقب"، هو محاولة لتجريد الأسير من إنسانيته وعقيدته. إن غياب السحور، وتدني جودة وكمية الطعام إلى حد الفتات، ومنع التواصل مع العالم الخارجي لمعرفة مواقيت العبادة.
كلها أدوات في حرب نفسية تشنها ما تسمى مصلحة السجون الإسرائيلية، محولةً الشهر الفضيل من شهر للسكينة إلى رحلة عذاب مستمرة تحتجز فيها حتى "النية" خلف القضبان.










