يشكّل الإعلان الذي كشفته صحيفة تايمز أوف إسرائيل بشأن إقرار الولايات المتحدة تشكيل لجنة تنسيق رسمية بين السلطة الفلسطينية وما يُعرف بـمجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب محطة سياسية لافتة في سياق النقاش حول اليوم التالي في قطاع غزة.
فالخطوة في ظاهرها تقنية تتعلق بآليات الإشراف على إعادة الإعمار، لكنها في جوهرها تمسّ جوهر الصراع على الشرعية والتمثيل ومستقبل الحكم في القطاع بعد الحرب. وبين من يراها مناورة لاحتواء الانتقادات الدولية لاستبعاد السلطة، ومن يعتبرها تمهيدًا فعليًا لإعادة تموضعها في غزة، تتكشف طبقات متعددة من الحسابات السياسية الإقليمية والدولية.
منذ اندلاع الحرب برز سؤال مركزي: من سيدير غزة بعد توقف القتال؟ الطروحات تنوعت بين إدارة دولية مؤقتة، أو إشراف عربي دولي مشترك، أو إعادة تمكين السلطة الفلسطينية، أو حتى ترتيبات أمنية طويلة الأمد تبقي لإسرائيل دورًا حاسمًا في المجال الأمني. في هذا الإطار بدا أن السلطة الفلسطينية٦٦ مُغيّبة عن كثير من المشاورات الأولية، مما أثار انتقادات من أطراف عربية ودولية اعتبرت أن أي ترتيبات لا تمر عبر الممثل الرسمي المعترف به دوليًا ستفتقر إلى الشرعية السياسية. لذلك يمكن فهم تشكيل لجنة تنسيق رسمية على أنه استجابة جزئية لهذه الانتقادات، ومحاولة لإضفاء طابع مؤسسي على مشاركة السلطة في مسار الإعمار.
غير أن المسألة لا تقف عند حدود التمثيل الرمزي. فالإعمار في الحالة الغزّية ليس مجرد عملية هندسية أو إنسانية، بل هو عملية سياسية بامتياز. الجهة التي تشرف على الأموال، وتحدد الأولويات، وتدير العلاقة مع المانحين، تملك نفوذًا فعليًا على شكل النظام الإداري والاقتصادي في القطاع. من هنا فإن منح السلطة الفلسطينية دورًا رسميًا في لجنة تنسيق مع الجانب الأميركي يعني عمليًا الاعتراف بها بوصفها القناة المعتمدة لإدارة الموارد الدولية المخصصة لغزة. وهذا بحد ذاته مكسب سياسي مهم لرام الله، حتى لو كان الدور في مرحلته الأولى تقنيًا أو محدود الصلاحيات.
في هذا السياق تبرز بوضوح خطة التعافي والإعمار التي أعلن عنها رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من القاهرة. هذه الخطة لم تُقدَّم كمجرد وثيقة مالية، بل كتصور متكامل لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم مرورًا بإصلاح البنية التحتية، وصولًا إلى إطلاق مسار تنموي يعيد دمج غزة في الدورة الاقتصادية الفلسطينية. وقد حمل الإعلان من القاهرة دلالة سياسية واضحة، إذ سعى إلى حشد دعم عربي ودولي، وإلى التأكيد أن السلطة جاهزة لتحمل مسؤولياتها إذا ما توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة. وعليه، فإن تشكيل لجنة تنسيق رسمية مع واشنطن يمكن قراءته كخطوة عملية لربط هذه الخطة بإطار دولي يتيح تمويلها وتنفيذها.
لكن المعادلة لا تكتمل دون النظر إلى الموقف الإسرائيلي. فقد عبّرت حكومة بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة عن تحفظها إزاء إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة بصيغتها الحالية، معتبرة أن ذلك لا يلبّي المتطلبات الأمنية الإسرائيلية. وبما أن أي عملية إعمار واسعة النطاق تمر حتمًا عبر المعابر، وحركة المواد، وترتيبات التنسيق الأمني، فإن إسرائيل تمتلك قدرة عملية على تسهيل أو تعطيل التنفيذ. من هنا يمكن القول إن اللجنة الجديدة، مهما بلغت أهميتها السياسية، ستظل رهينة تفاهمات أوسع لم تتبلور بعد بشكل نهائي.
الولايات المتحدة من جهتها، تبدو معنية بتثبيت إطار إداري يمكن الوثوق به لإدارة أموال المانحين، وتفادي الفوضى أو ازدواجية المرجعيات. لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة وفق المعطيات المتاحة لفرض عودة سياسية كاملة للسلطة إلى غزة دون توافقات إقليمية وأمنية أوسع. لذلك قد يكون الهدف المرحلي هو بناء مسار تدريجي: تبدأ السلطة بدور إشرافي ومالي في ملف الإعمار، ثم يتوسع هذا الدور تبعًا للظروف. هذا السيناريو يمنح واشنطن هامش مناورة، ويمنح رام الله موطئ قدم يمكن البناء عليه لاحقًا.
في المحصلة لا يمكن اختزال تشكيل لجنة التنسيق في كونه مجرد خطوة بروتوكولية لتجنب الانتقادات، ولا اعتباره في المقابل إعلانًا حاسمًا عن عودة كاملة للسلطة الفلسطينية إلى غزة. إنه تطور يقع في المنطقة الرمادية بين التكتيك السياسي والتمهيد الاستراتيجي. نجاحه أو فشله سيتوقف على جملة عوامل متداخلة: طبيعة التفاهمات الأميركية–الإسرائيلية، حجم الدعم العربي والدولي لخطة التعافي والإعمار، تمكين السلطة لتقديم نموذج إداري وطني، ومدى استعداد الأطراف المختلفة للانخراط في تسوية أوسع تتجاوز الإطار الإنساني إلى أفق سياسي أشمل.
وبين هذه الاحتمالات تبقى الحقيقة الثابتة أن إعادة إعمار غزة ليست مسألة إسمنت وحديد فقط، بل مسألة سلطة وشرعية ورؤية سياسية للمستقبل. واللجنة الجديدة مهما كانت حدودها، تمثل إحدى أدوات الصراع على هذا المستقبل.









