21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: فن الحرب وهدير المُحركات

بين الحرب والسياسة… خيط القرار الرفيع يتكون. فقد قال المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، فيما أرسى الدبلوماسي الأميركي هنري كيسنجر قاعدة مكملة حين اعتبر أن "الدبلوماسية هي فنّ تقييد القوة».

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٢٠ فبراير ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
15 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: فن الحرب وهدير المُحركات

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: فن الحرب وهدير المُحركات

بين الحرب والسياسة… خيط القرار الرفيع يتكون. فقد قال المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، فيما أرسى الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر قاعدة مكملة حين اعتبر أن "الدبلوماسية هي فنّ تقييد القوة».

لكن في مطلع عام 2026، يبدو أن "الدبلوماسية باتت استمراراً للحرب بآليات الردع". وما بين العبارتين تتشكّل الرؤية الرمادية التي تُدار فيه الأزمات الدولية المعاصرة؛ ولفهم "غاباتنا" المشهد الدولي اليوم لا يتطلب فقط إحصاء عدد الرؤوس الحربية، بل فك شفرات الرسائل العسكرية التي تُكتب بحركة حاملات الطائرات، والإشارات الدبلوماسية التي تُرسل عبر القنوات الخلفية، التي جعلت من الشرق الأوسط مسرحًا للغوغائية، مع تصاعد الحشود البحرية الأمريكية، ودخول حاملة الطائرات ( USS Gerald R. Ford) إلى مسرح العمليات لتنضم إلى ( USS Abraham Lincoln)، بدا المشهد أقرب إلى "استعراض ردعي» منه إلى إعلان حرب، فلم يعد قرار الحرب اليوم مجرد فعل عسكري، بل هو محصلة لمعادلة رياضية معقدة تتداخل فيها تكلفة الطاقة، سلاسل الإمداد، والقدرة على تحمل الاستنزاف.

الرسالة واضحة: ضغط محسوب بدلاً من تكرار المشهد الفنزويلي؛ لإعادة هندسة شروط التفاوض، لا تمهيد حتمي لصدام شامل. هنا تتجلى أهمية فهم الرسائل العسكرية بوصفها أدوات تحكم في قرار الحرب، لا مجرد تمهيد لها. فالتحرك البحري الأميركي في مياه الخليج لا يُقرأ بمعزل عن استراتيجية "الردع المتقدم» كـ "أدوات تواصل خشنة" فعندما تتحرك حاملة الطائرات "جيرالد فورد" تحمل أكثر من 75 طائرة مقاتلة ومنظومات دفاعية متعددة الطبقات، وتمثل منصة إسقاط قوة قادرة على تنفيذ مئات الطلعات يومياً. لتنضم إلى "أبراهام لينكولن" في شرق المتوسط والخليج العربي، وهو ما يضاعف القدرة العملياتية ويُرسل رسائل رئيسة لا ترسل قذائف، بل ترسل "جُملاً سياسية" مفادها أن تكلفة أي مغامرة ستكون وجودية، ف الرسائل العسكرية المعاصرة تعتمد على "الغموض الاستراتيجي"؛ حيث يتم حشد القوات ليس لبدء الهجوم، بل لفرض شروط التفاوض، ونلاحظ أن التصعيد العسكري الميداني تقابله "ليونة لفظية" في جنيف أو مسقط، مما يشير إلى أن الأطراف تتبع استراتيجية "الضغط الأقصى المتزامن مع الانفتاح الحذر". خلافاً عن الإشارات الدبلوماسية التي هي "صمام أمان" يمنع الاحتكاك العسكري من التحول إلى حريق شامل، في المقابل، تعتمد طهران على "الردع غير المتكافئ»، عبر ترسانة صاروخية يُقدَّر عددها بالآلاف، إضافة إلى قدرات المسيّرات والهجمات السيبرانية. هذه الأدوات لا تمنحها تفوقاً تقليدياً، لكنها ترفع كلفة أي مواجهة، خاصة في محيط حيوي كـ مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط البحرية العالمية (قرابة 17–18 مليون برميل يومياً حتى 2025).

أما الموقف الفارسي المعتمد على "الردع غير المتكافئ»، عبر ترسانة صاروخية لا تمنحها تفوقاً تقليدياً، لكنها ترفع كلفة أي مواجهة، والتي تُقدَّر عددها بالآلاف، إضافة إلى قدرات المسيّرات والهجمات السيبرانية، خاصة في محيط حيوي كـ مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط البحرية العالمية (قرابة 17–18 مليون برميل يومياً حتى 2025).

وبلغة الأرقام: فإن تكلفة الأزمات، وفقاً للبيانات المحدثة حتى الربع الأول من عام 2026، تبرز فيها الإحصائيات التالية عمق الهوة التي قد يسببها قرار الحرب غير المحسوب:

المؤشر الاستراتيجي

القيمة التقديرية (فبراير 2026)

ملاحظات

تكلفة التأمين البحري

ارتفعت بنسبة 450%

في مضيق هرمز وباب المندب مقارنة بـ 2023

خسائر التجارة العالمية

1.2 تريليون دولار

نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد في النزاعات الإقليمية

الإنفاق العسكري العالمي

2.8 تريليون دولار

قفزة تاريخية مدفوعة بسباق التسلح في الشرق الأوسط وأوروبا

سعر برميل النفط (في حال النزاع)

توقعات بـ 155 - 180 دولار

ما يهدد بانهيار نمو الاقتصادات الناشئة

 

أعداد الضحايا: تشير التقديرات إلى أن النزاعات المحدودة التي اندلعت في النصف الثاني من 2025 خلفت ما يقرب من 85,000 ضحية (بين قتيل وجريح)، مع نزوح أكثر من 4 ملايين إنسان، مما شكل ضغطاً هائلاً على ميزانيات المنظمات الدولية التي تعاني أصلاً من عجز بنسبة 30%.

 

هنا لا تعمل الدبلوماسية بمعزل عن القوة، بل بالتوازي معها، فواشنطن تُعلن أن "الخيار المفضل هو الحل التفاوضي»، وهو ما لا يصدقهُ عاقل مع الحشود العسكرية بالمنطقة ومع ألاعيب ترامب وإدارته للمشهد العالمي (فتونة الشعبويين)، لكنها تربطه بمهلة زمنية وضغوط اقتصادية مستمرة، مقابل موقف طهران المتداعي -منفتحاً على الحوار دون التزام تفصيلي-، في استراتيجية كسب وقت تهدف إلى تخفيف الضغوط وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية، وهذا التوازن بين التصعيد الرمزي والتهدئة الخطابية يمنع "سوء التقدير الاستراتيجي»، وهو العامل الأكثر خطورة في الأزمات المُركبة.

وإذا عُدنا بأزمة 2026 مقابل أزمة حرب الناقلات في الثمانينيات (1984-1988)، نجد فروقاً جوهرية في أدوات التحكم، ففي الثمانينيات كان الصراع كلاسيكياً يعتمد على الألغام والمدفعية؛ بلغت التكلفة الإجمالية آنذاك حوالي 250 مليار دولار-حسب وقتها-، بينما في 2026، الصراع "هجين" (Hybrid Warfare) طهران والفاعلون من غير الدول يستخدمون مسيّرات لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار لتعطيل فرقاطات تبلغ قيمتها ملياري دولار.. التشابه هنا فيه "مضيق هرمز" هو المتغير الثابت؛ حيث تمر عبره 21% من إمدادات النفط العالمية، وأي إغلاق له لمدة 30 يوماً كفيل بخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.5%.

وإذا عرجنا بأزمة الخليج الراهنة نرى أزمة الصواريخ الكوبية 1962، التي وقف العالم فيها على حافة مواجهة نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. آنذاك، فتم فرض حصار بحري (حجر صحي) كرسالة ردعية واستُخدمت القنوات الخلفية الدبلوماسية لتفادي الانفجار، حتى انتهت الأزمة بتسوية سرية شملت سحب صواريخ من تركيا مقابل سحب الصواريخ من كوبا.

إن المقارنة الرقمية تكشف أن كلفة الحروب الحديثة—بسبب العولمة وترابط الأسواق—أصبحت مضاعفة التأثير على الاقتصاد العالمي، لا المحلي فحسب. فكُلفة الحروب الحديثة نرى وجهها الأغبر في الحرب الروسية–الأوكرانية (2022–2026)بخسائر بشرية وفق تقديرات أممية وغربية بمئات آلاف القتلى والجرحى من الطرفين، مع أكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ، بل وخسائر الاقتصادية بانكماش الاقتصاد الأوكراني بأكثر من 30% في 2022، وتكلفة إعادة الإعمار المقدّرة تجاوزت 480 مليار دولار حتى 2025، بينما خسائر الجانب الروسي كانت نتيجة العقوبات وتكاليف الحرب قُدّرت بمئات المليارات، مع تراجع الاستثمار الأجنبي بشكل حاد.

 وفي الهمّ العالمي وخاصة العربي حرب غزة (2023–2025) حدث ولا حرج فقد استغاثت الإنسانية بل الجماد قبل الحيوانات والبشر، من موت الأخلاق الأممية ومحكمة العدل الدولية التي ما قام مجلس الامن إلا للقوى فقط، بينما آلاف القتلى من المدنيين والمقاتلين، مع التدمير الواسع للبنية التحتية، والخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بمليارات الدولارات، وتأثير فوري على حركة الملاحة في البحر الأحمر نتيجة تهديدات متبادلة.. كل ذلك لا جدوى منه وكأنه لم يحدث.. كما لم تكن حرب العراق 2003 التي كلفت الولايات المتحدة 2 تريليون دولار وفق تقديرات جامعية أميركية، مع خسائر بشرية تجاوزت 200 ألف عراقي وفق تقديرات بحثية متعددة.

إن التحكم بقرار الحرب عبر الرسائل المزدوجة هي رؤية استراتيجية أثبت فعاليتها في منع "الانفجار الكبير"، لكنه أبقى المنطقة في "حالة نزيف مستمر"، وبناءً على المعطيات، يجب الانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "تفكيك الأزمات"، فالاعتماد المفرط على الحشود العسكرية دون أفق سياسي يؤدي إلى "كلال الردع"، حيث تصبح الحشود أمراً معتاداً لا يثير الرهبة، إضافة لأهمية وجود اتفاقات "خط ساخن" سيبراني لمنع اندلاع حرب بسبب خطأ في تقدير هجمة إلكترونية أو مسيّرة مجهولة الهوية، وأخيراً لابد من تكامل المسارات، فلا يمكن فصل الملف النووي عن السلوك الإقليمي؛ فالأرقام تثبت أن أي اتفاق جزئي هو مجرد شراء للوقت بفوائد مركبة ستُدفع لاحقاً.

وقفة أخيرة: ما بين الردع والحكمة تظل الحقيقة القائمة في فبراير 2026 هي أن القوة التي لا تسندها حكمة هي مجرد أداة للتدمير الذاتي، في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه كلفة الخطأ، وبين حاملات الطائرات الراسية في عرض البحر، والتصريحات التي تُصاغ بعناية خلف الأبواب المغلقة، يبقى قرار الحرب رهناً بميزان دقيق بين القوة والحوار. وكما يقول صن تزو في "فن الحرب": "البراعة الأسمى ليست في كسب مائة معركة، بل في إخضاع العدو دون قتال"، وكلمة كلاوزفيتز ذاته أن: "أعظم انتصار هو الذي يتحقق من دون قتال". نسمع هدير محركات "جيرالد فورد" وهدوء غرف التفاوض، ففي زمن الأزمات المركبة، فلا يكون ضبط النفس ضعفاً، بل أرقى أشكال القوة السياسية، لكن يتبقى شعرة معاوية التي تمسك بقرار الحرب، بانتظار لحظة نضوج سياسي تعيد رسم خرائط المنطقة بعيداً عن فوهات المدافع.

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال