رغم الأطواق الأمنية المشددة ومحاولات التضييق الممنهجة التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي، تدفقت سيول البشر من الفلسطينيين نحو باحات المسجد الأقصى المبارك لتأدية صلاتي العشاء والتراويح في مشهد يجسد التمسك بالهوية والمقدسات.
وأفادت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس بأن عشرات الآلاف من المصلين تمكنوا من تخطي الحواجز العسكرية التي تهدف إلى عزل المدينة المقدسة عن محيطها، ليعلنوا بصلاتهم رفضاً قاطعاً لسياسات التهويد والتقسيم الزماني والمكاني التي تروج لها حكومة الاحتلال المتطرفة.
إن هذا الاحتشاد الجماهيري المهيب لا يمثل مجرد شعيرة دينية عابرة، بل هو فعل مقاوم سلمي يواجه غطرسة القوة بصدور عارية وإيمان راسخ بحق العودة والسيادة. وتشير التقارير الميدانية إلى أن المصلين جاؤوا من مختلف القرى والمدن في الداخل الفلسطيني المحتل ومن أحياء القدس العتيقة، متحدين بذلك إجراءات القمع التي تصاعدت وتيرتها بشكل ملحوظ منذ أكتوبر 2023، حيث يسعى الاحتلال لكسر الروح المعنوية للفلسطينيين عبر استهداف أقدس رموزهم الدينية في قلب العاصمة المحتلة.
زيف الرواية الإسرائيلية
تستمر الماكنة الإعلامية الإسرائيلية في محاولات تزييف الواقع من خلال ادعاء حرية العبادة، بينما تكشف الصور والمقاطع المسربة حجم الاعتداءات والتفتيش المهين الذي يتعرض له المصلون عند أبواب المسجد الأقصى.
ووفقا لتقرير صادر عن مؤسسات حقوقية مقدسية، فإن سياسة التضييق المتعمد تهدف إلى تقليل أعداد المصلين تدريجيا لفرض واقع جديد يسهل من خلاله تنفيذ المخططات الاستيطانية، وهو ما يفضح كذب الرواية الرسمية للاحتلال التي تحاول تسويق نفسها كدولة ديمقراطية تحترم الأديان أمام المجتمع الدولي.
وفي ظل هذا التزييف، يبرز الدور الأمريكي المباشر كداعم أساسي لهذه السياسات، حيث تواصل إدارة الرئيس دونالد ترامب تقديم الغطاء السياسي والمادي الذي يسمح للاحتلال بالاستمرار في انتهاكاته دون خوف من ملاحقة دولية. ويرى مراقبون أن هذا الدعم المطلق من قبل أمريكا هو ما يغذي آلة الحرب الإسرائيلية، ليس فقط في غزة التي شهدت أبشع المجازر منذ أكتوبر 2023، بل وأيضاً في القدس التي تتعرض لعملية محو هوياتي شاملة تتم تحت سمع وبصر العالم وبتمويل وحماية أمريكية مباشرة.
دماء تروي الأقصى
لا يمكن فصل مشهد المصلين في المسجد الأقصى عن سياق المذابح المستمرة التي يرتكبها جيش الاحتلال في كافة الأراضي الفلسطينية، حيث ترتبط صرخات المصلين بآلام الجرحى والشهداء الذين سقطوا في حرب الإبادة الجماعية الأخيرة.
وبحسب ما ذكرته وكالات أنباء محلية، فإن الروح القتالية والإصرار على الصلاة داخل المسجد الأقصى استمدت قوتها من تضحيات الشعب الفلسطيني الذي يواجه واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ الحديث، مما يجعل من كل سجدة في باحات الأقصى رسالة وفاء لدماء الشهداء وتأكيداً على أن الأرض لن تخون أصحابها.
إن الصمت الدولي المطبق تجاه ما يحدث في القدس المحتلة يضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية، خاصة وأن التدخلات الخارجية دائماً ما تنحاز لصالح القاتل على حساب الضحية.
ومع استمرار الاحتلال في تنفيذ سياساته العنصرية، يظل المسجد الأقصى بوصلة الصراع وعنوان الكرامة، حيث تثبت هذه الجموع المحتشدة أن كل محاولات الاقتلاع والتهجير القسري ستتحطم على صخرة الصمود الشعبي الذي لا يلين، مدعوما بوعي جماعي يدرك تماماً حجم المؤامرة الصهيو-أمريكية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية بالكامل.










