حذرت الكاتبة الأمريكية ميشيل جولدبرج، في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، من أن التهديدات التي يلوّح بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن حرب ضد إيران تختلف جذريًا عن تجربة غزو العراق عام 2003، ليس فقط من حيث طبيعة الصراع، بل من حيث طريقة تعامل السلطة مع الرأي العام الأمريكي.
وأوضحت جولدبرج أنها لم تتخيل يومًا أنها قد تشتاق إلى مرحلة إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، رغم ما ارتبط بها من تضليل واسع النطاق لتبرير الحرب. لكنها أشارت إلى أن تلك المرحلة، على الأقل، عكست إدراكًا بأن خوض حرب كبرى يتطلب إقناع الشعب الأمريكي بضرورتها، حتى لو استند هذا الإقناع إلى معلومات مضللة.
تغييب الرأي العام
ترى الكاتبة أن إدارة بوش، رغم اعتمادها على مزاعم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، كانت تدرك أهمية كسب تأييد الجمهور، وهو ما دفعها إلى شن حملة سياسية وإعلامية واسعة لتبرير الحرب. واعتبرت أن هذا السلوك يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن الشرعية الداخلية شرط أساسي قبل الدخول في صراع عسكري واسع.
في المقابل، تؤكد جولدبرج أن التهديدات الحالية التي يطلقها ترامب تجاه إيران تجري دون تفويض واضح من الكونغرس، ودون نقاش عام واسع، أو حتى تقديم تفسير واضح للأهداف العسكرية والاستراتيجية. وتقول إن هذا التحول يعكس تراجعًا خطيرًا في العلاقة بين السلطة التنفيذية والرأي العام في قضايا الحرب والسلام.
غياب دور الكونغرس
وأشارت جولدبرج إلى أن الكونغرس الأمريكي لم يناقش بشكل جدي احتمال الحرب مع إيران، ولم تُعقد جلسات إحاطة شفافة توضح طبيعة الخطط العسكرية المحتملة. ونقلت عن النائب الديمقراطي رو كانا، الذي يعمل مع النائب الجمهوري توماس ماسي، قوله إن الإدارة لم تقدم أي إحاطات واضحة بشأن وجود خطة عسكرية متكاملة.
ويعكس هذا الغياب المؤسسي، بحسب المقال، حالة من التهميش لدور الكونغرس في اتخاذ قرار الحرب، رغم أن الدستور الأمريكي يمنح السلطة التشريعية دورًا مركزيًا في هذا الملف. ويثير ذلك مخاوف من إمكانية انزلاق الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية دون توافق سياسي داخلي.
تناقضات الملف النووي
ركزت الكاتبة على أن البرنامج النووي الإيراني يمثل محور التوتر الحالي، مشيرة إلى أن ترامب كان قد أعلن في وقت سابق أنه دمّر البرنامج النووي الإيراني بالكامل. غير أن تقارير استخباراتية لاحقة أشارت إلى أن الضربات لم تؤد إلا إلى تأخير البرنامج لفترة محدودة.
ورغم هذه التقديرات، لا يزال البيت الأبيض يؤكد أن المنشآت النووية الإيرانية دُمّرت بالكامل، وهو ما اعتبرته جولدبرج تناقضًا يثير تساؤلات حول دقة الرواية الرسمية، ويعكس غموضًا في تقييم نتائج التصعيد العسكري.
مطالب تقود للمواجهة
أوضحت جولدبرج أن الإدارة الأمريكية تطالب إيران بوقف برنامجها للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لحلفائها الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله في اليمن. لكنها أشارت إلى أن طبيعة هذه المطالب غير واضحة، وما إذا كانت شروطًا تفاوضية أم تمثل خطوطًا حمراء قد تؤدي إلى الحرب.
ويعكس هذا الغموض، بحسب المقال، غياب استراتيجية واضحة، ويعزز المخاوف من أن تتحول هذه المطالب إلى ذرائع لتبرير عمل عسكري، دون وجود رؤية سياسية متكاملة لنتائج المواجهة المحتملة.
دوافع سياسية داخلية
طرحت الكاتبة تساؤلات حول دوافع ترامب، معتبرة أنه قد يسعى إلى تسجيل اسمه في التاريخ كرئيس أسقط أنظمة تعتبرها واشنطن معادية، مثل إيران وفنزويلا وكوبا. وأشارت إلى أن هذا الدافع الشخصي المحتمل قد يلعب دورًا في دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية جديدة.
وحذرت جولدبرج من أن تداعيات أي حرب جديدة لن تقتصر على الشرق الأوسط، بل قد تمتد إلى الداخل الأمريكي، في ظل تصاعد الانقسام السياسي وانتشار نظريات المؤامرة، ما قد يؤدي إلى تداعيات داخلية عميقة.
تراجع التأييد الشعبي
استشهدت الكاتبة باستطلاع أجرته مؤسسة غالوب عام 2003، أظهر أن 72% من الأمريكيين أيدوا حرب العراق في ذلك الوقت. في المقابل، تشير استطلاعات حديثة إلى أن أقل من 30% فقط من الأمريكيين يؤيدون عملًا عسكريًا ضد إيران.
ويكشف هذا التراجع الكبير في التأييد الشعبي عن فجوة واسعة بين توجهات الإدارة الأمريكية والرأي العام، ما يعكس تغيرًا جذريًا في المزاج الشعبي بعد تجربة العراق، ويثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على خوض حرب جديدة دون دعم داخلي واسع.









