20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

قصيدة واحةُ الكلمات للشاعر الجزائري أحسن معريش

قصيدة واحةُ الكلمات للشاعر الجزائري أحسن معريش

بقلم: أخبار ومتابعات
٢١ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
15 مشاهدة
قصيدة واحةُ الكلمات للشاعر الجزائري أحسن معريش

قصيدة واحةُ الكلمات للشاعر الجزائري أحسن معريش

واحةُ الكلمات

في صحراءِ صمتٍ حيثُ تذوي الروحُ احتراقا،
حين يجفُّ الرجاءُ ويصعدُ الشكُّ اختناقا،
أبحثُ عن سرابٍ وديعٍ مشرقِ الأنوار،
عن روضِ لفظٍ فيه تُبعثُ كلُّ الأقدار.
+++
أمشي ورياحُ الأفكارِ حولي هائمة،
وخطوي مثقلٌ بساعاتٍ متألِّمة،
وفجأةً، عند أفقٍ خفيٍّ بعيد،
يجري سيلُ حروفٍ ويرسمُ موعدي الجديد.
+++
تلكَ واحةٌ مقدَّسةٌ تستريحُ فيها العبارات،
حيثُ الأفعالُ تزهرُ في نشواتٍ غامرات،
وحيثُ الأسماءُ تتعطَّرُ بخيوطِ الأبدِ الرقيق،
ويغدو كلُّ زفيرٍ نشيداً طليق.
+++
هناك للكلماتِ أجنحةٌ مغموسةٌ بالضياء،
تربّتُ الآلامَ وتروِّضُ وهجَ الصيفِ والحرِّ والعناء،
تعرفُ كيفَ تُواسي الجراحَ العميقة،
وتُفجِّرُ من ضيقِ الدنيا حياةً أنيقة.
+++
تحتَ نخلِ المعاني حيثُ البيانُ يموج،
تتساقطُ الحروفُ ذهباً وتعلو في العروج،
تنسجُ ثوباً يكسو العدمَ الفاني،
وتطرّزُ على الفراغِ حلماً متلألئَ المعاني.
+++
الفواصلُ تحطُّ كطيورٍ مهاجرة،
والنقاطُ تبذرُ سلماً في حدائقٍ زاهرة،
والجملُ تمتدُّ كأنهارٍ هادئةِ الجريان،
تغتسلُ فيها الروحُ من نزيفِ الأحزان.
+++
في تلكَ الواحةِ الطاهرةِ حيثُ الفكرُ يتنفس،
تصبحُ الكلماتُ ينبوعاً والينبوعُ يهمس،
يُسرُّ للقلوبِ بأسرارٍ نسيّة،
ويُحيي الأناشيدَ التي نفَاها الزمنُ طويّة.
+++
كلُّ كلمةٍ بئرٌ ترتوي منه المعاناة،
وكلُّ بيتٍ جسرٌ يعبرُ ساحةَ الحياة،
وكلُّ قافيةٍ ثمرةٌ نضجت بالألمِ المرير،
نقطفها خاشعينَ في بستانِ الضمير.
+++
حين يلفُّ صمتُ الليلِ وجهَ الأرضِ بالسواد،
وحين يمتدُّ الخوفُ كبحرٍ بلا ميعاد،
تشعلُ الكلماتُ ناراً فوق كثبانِ الظلام،
وتهدي الأرواحَ التي أثقلها الانعزالُ والآلام.
+++
هي بذورُ سلامٍ تُزرعُ في العاصفة،
ومصابيحُ أملٍ تترجمُ الإيمانَ بعاطفة،
هي أيادٍ خفيّةٌ ترفعُ الإنسان،
حين تحكمُ عليه الحياةُ بصحراءِ الحرمان.
+++
يا واحةَ الكلماتِ، يا محرابَ الروح،
يا معبداً تُوقدُ فيه الفكرةُ نوراً يبوح،
تضمّين صرخاتِنا وصمتَنا الضائع،
وتحوّلين دمعَنا شعراً خاشع.
+++
أنتِ ملجأُ المسافرينَ الجرحى،
ومأوى القلوبِ التي أضناها الشكُّ طرحى،
أنتِ ماءُ الأُخوّةِ حيثُ الذاكرةُ تغوص،
لتغسلَ أوجاعَها في صفاءِ النصوص.
+++
إذا ضلَّ الإنسانُ في متاهاتِ الوجود،
وغرقَ بصرُه في قلقٍ بلا حدود،
يكفيه لفظٌ طاهرٌ يكسرُ القيود،
ويفتحُ أمامه حدائقَ الخلود.
+++
فالكلمةُ نفَسٌ فارَّ من ليلٍ ثقيل،
وجمرةٌ مخبوءةٌ تحت رمادِ المللِ الطويل،
وطائرُ نورٍ بأجنحةِ وعدٍ جميل،
يغنّي الجمالَ في ظلّ الجرحِ العليل.
+++
طوبى لمن يُصغي لهمسِها الرقيق،
ويحملُ في صدرِه نقشَها العميق،
فواحةُ الكلماتِ ليست أرضاً ولا قفار،
بل شمسٌ تسكنُ فينا بغيرِ أسوار.
+++
تولدُ من نظرةٍ نحو الغيبِ البعيد،
ومن صمتٍ تصبحُ فيه الروحُ نشيد،
تولدُ حين يجرؤُ العقلُ أن يسير،
في حديقةِ الحلمِ حيثُ المعنى يصير.
+++
فلنشربْ معاً من ينابيعِ الحروف،
التي تهبُنا الحياةُ لنولدَ من الخوف،
فالكلماتُ جسورٌ نحوَ اللانهاية،
وبذورُ خلودٍ في رملِ الفناء.
+++
وإن بعثرَ الغدُ آثارَ خُطانا،
ووارى الزمنُ ملامحَنا وخُطانا،
فلعلَّ قصيدةً كبئرٍ بلا قرار،
تحفظُ أنفاسَنا في حضنِها المستنار.
+++
يا واحةَ الكلماتِ، يا داراً أبدية،
حيثُ الإنسانُ نشيدٌ والحزنُ قضيةُ أملٍ شجية،
علّمينا من مائكِ صفاءَ الحكاية،
كي نحسنَ سردَ ذواتِنا في مرايا الرواية

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال