واحةُ الكلمات
في صحراءِ صمتٍ حيثُ تذوي الروحُ احتراقا،
حين يجفُّ الرجاءُ ويصعدُ الشكُّ اختناقا،
أبحثُ عن سرابٍ وديعٍ مشرقِ الأنوار،
عن روضِ لفظٍ فيه تُبعثُ كلُّ الأقدار.
+++
أمشي ورياحُ الأفكارِ حولي هائمة،
وخطوي مثقلٌ بساعاتٍ متألِّمة،
وفجأةً، عند أفقٍ خفيٍّ بعيد،
يجري سيلُ حروفٍ ويرسمُ موعدي الجديد.
+++
تلكَ واحةٌ مقدَّسةٌ تستريحُ فيها العبارات،
حيثُ الأفعالُ تزهرُ في نشواتٍ غامرات،
وحيثُ الأسماءُ تتعطَّرُ بخيوطِ الأبدِ الرقيق،
ويغدو كلُّ زفيرٍ نشيداً طليق.
+++
هناك للكلماتِ أجنحةٌ مغموسةٌ بالضياء،
تربّتُ الآلامَ وتروِّضُ وهجَ الصيفِ والحرِّ والعناء،
تعرفُ كيفَ تُواسي الجراحَ العميقة،
وتُفجِّرُ من ضيقِ الدنيا حياةً أنيقة.
+++
تحتَ نخلِ المعاني حيثُ البيانُ يموج،
تتساقطُ الحروفُ ذهباً وتعلو في العروج،
تنسجُ ثوباً يكسو العدمَ الفاني،
وتطرّزُ على الفراغِ حلماً متلألئَ المعاني.
+++
الفواصلُ تحطُّ كطيورٍ مهاجرة،
والنقاطُ تبذرُ سلماً في حدائقٍ زاهرة،
والجملُ تمتدُّ كأنهارٍ هادئةِ الجريان،
تغتسلُ فيها الروحُ من نزيفِ الأحزان.
+++
في تلكَ الواحةِ الطاهرةِ حيثُ الفكرُ يتنفس،
تصبحُ الكلماتُ ينبوعاً والينبوعُ يهمس،
يُسرُّ للقلوبِ بأسرارٍ نسيّة،
ويُحيي الأناشيدَ التي نفَاها الزمنُ طويّة.
+++
كلُّ كلمةٍ بئرٌ ترتوي منه المعاناة،
وكلُّ بيتٍ جسرٌ يعبرُ ساحةَ الحياة،
وكلُّ قافيةٍ ثمرةٌ نضجت بالألمِ المرير،
نقطفها خاشعينَ في بستانِ الضمير.
+++
حين يلفُّ صمتُ الليلِ وجهَ الأرضِ بالسواد،
وحين يمتدُّ الخوفُ كبحرٍ بلا ميعاد،
تشعلُ الكلماتُ ناراً فوق كثبانِ الظلام،
وتهدي الأرواحَ التي أثقلها الانعزالُ والآلام.
+++
هي بذورُ سلامٍ تُزرعُ في العاصفة،
ومصابيحُ أملٍ تترجمُ الإيمانَ بعاطفة،
هي أيادٍ خفيّةٌ ترفعُ الإنسان،
حين تحكمُ عليه الحياةُ بصحراءِ الحرمان.
+++
يا واحةَ الكلماتِ، يا محرابَ الروح،
يا معبداً تُوقدُ فيه الفكرةُ نوراً يبوح،
تضمّين صرخاتِنا وصمتَنا الضائع،
وتحوّلين دمعَنا شعراً خاشع.
+++
أنتِ ملجأُ المسافرينَ الجرحى،
ومأوى القلوبِ التي أضناها الشكُّ طرحى،
أنتِ ماءُ الأُخوّةِ حيثُ الذاكرةُ تغوص،
لتغسلَ أوجاعَها في صفاءِ النصوص.
+++
إذا ضلَّ الإنسانُ في متاهاتِ الوجود،
وغرقَ بصرُه في قلقٍ بلا حدود،
يكفيه لفظٌ طاهرٌ يكسرُ القيود،
ويفتحُ أمامه حدائقَ الخلود.
+++
فالكلمةُ نفَسٌ فارَّ من ليلٍ ثقيل،
وجمرةٌ مخبوءةٌ تحت رمادِ المللِ الطويل،
وطائرُ نورٍ بأجنحةِ وعدٍ جميل،
يغنّي الجمالَ في ظلّ الجرحِ العليل.
+++
طوبى لمن يُصغي لهمسِها الرقيق،
ويحملُ في صدرِه نقشَها العميق،
فواحةُ الكلماتِ ليست أرضاً ولا قفار،
بل شمسٌ تسكنُ فينا بغيرِ أسوار.
+++
تولدُ من نظرةٍ نحو الغيبِ البعيد،
ومن صمتٍ تصبحُ فيه الروحُ نشيد،
تولدُ حين يجرؤُ العقلُ أن يسير،
في حديقةِ الحلمِ حيثُ المعنى يصير.
+++
فلنشربْ معاً من ينابيعِ الحروف،
التي تهبُنا الحياةُ لنولدَ من الخوف،
فالكلماتُ جسورٌ نحوَ اللانهاية،
وبذورُ خلودٍ في رملِ الفناء.
+++
وإن بعثرَ الغدُ آثارَ خُطانا،
ووارى الزمنُ ملامحَنا وخُطانا،
فلعلَّ قصيدةً كبئرٍ بلا قرار،
تحفظُ أنفاسَنا في حضنِها المستنار.
+++
يا واحةَ الكلماتِ، يا داراً أبدية،
حيثُ الإنسانُ نشيدٌ والحزنُ قضيةُ أملٍ شجية،
علّمينا من مائكِ صفاءَ الحكاية،
كي نحسنَ سردَ ذواتِنا في مرايا الرواية









