يرى غوتام موكوندا، في مقال نشرته بلومبيرج، أن الانتشار الكاسح للمحتوى المُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تحول تقني، بل يشكّل ضربة مباشرة لأسس الثقة العامة التي قام عليها النظام المعرفي الحديث لعقود. ويوضح أن هذا التحول لا يقتصر على تغيير أدوات الإنتاج، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الجمهور والمعلومة، حيث لم يعد من السهل التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصنّع.
ويشير إلى أن الثقة بالمعلومة مرت تاريخياً بمراحل تطور واضحة، حيث كانت تعتمد في السابق على مصادر بشرية ومؤسسات معروفة مثل الأطباء أو المجلات المتخصصة، قبل أن تنتقل إلى الإنترنت ومنصات التقييم الجماهيري. غير أن هذا النموذج الأخير بدأ يفقد فاعليته تدريجياً، بعدما غمرت كميات هائلة من المحتوى الاصطناعي الفضاء الرقمي، ما أدى إلى تراجع الإحساس بالأصالة والإنسانية في البيئة الرقمية.
طوفان المحتوى الاصطناعي
يؤكد موكوندا أن أزمة الثقة لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعي، لكنها دخلت مرحلة أكثر خطورة مع ظهور النماذج التوليدية، التي سمحت بإنتاج محتوى ضخم بسرعة غير مسبوقة وبكلفة شبه معدومة. ويستشهد بدراسة أجرتها شركة غرافيت على نحو 65 ألف مقال، أظهرت أن نسبة المحتوى المُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي قفزت من 5 بالمئة قبل ظهور تشات جي بي تي إلى أكثر من 50 بالمئة بحلول نهاية عام 2024، وهو تحول جذري خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.
وتدعم هذه النتائج بيانات أخرى من شركة إيه ريفس، التي وجدت أن نحو 74 بالمئة من الصفحات الجديدة المنشورة في أبريل 2025 تضمنت محتوى اصطناعياً، ما يعكس تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مصدر رئيسي للمحتوى الرقمي. ويعني ذلك أن المستخدم بات يتعامل في كثير من الأحيان مع معلومات لم ينتجها بشر، بل خوارزميات قادرة على تقليد الأسلوب البشري دون أن تمتلك وعياً أو مسؤولية.
وهم الحقيقة المتكررة
يحذر الكاتب من ظاهرة نفسية خطيرة تُعرف باسم "تأثير الحقيقة الوهمية"، حيث يؤدي تكرار الادعاءات إلى جعلها تبدو صحيحة في نظر الجمهور، حتى عندما يكون المتلقي على علم مسبق بأنها خاطئة. وتكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في قدرته على إنتاج وتكرار الرسائل نفسها على نطاق واسع، ما يخلق حالة من الألفة المصطنعة التي تحل محل المصداقية الحقيقية.
ويؤكد أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى انهيار المعايير التقليدية للحقيقة، حيث يصبح الانتشار والتكرار معياراً بديلاً عن الدقة والموثوقية. وفي هذا السياق، لا يعود التحدي مقتصراً على كشف المعلومات الكاذبة، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم الحقيقة ذاته في عصر يمكن فيه تصنيع "الواقع" رقمياً.
عودة سلطة المؤسسات
ورغم الصورة القاتمة، يرى موكوندا أن الثقة لن تختفي، بل ستعيد التموضع حول المؤسسات التي تمتلك سمعة راسخة وآليات تحرير واضحة. ويشير إلى أن البشر لا يمكنهم الاستغناء عن الثقة في اتخاذ قراراتهم اليومية، سواء في مجالات الصحة أو المال أو السياسة، ما يجعل إعادة بناء مصادر موثوقة أمراً حتمياً.
ويخلص إلى أن المؤسسات التي تستثمر اليوم في تعزيز مصداقيتها، وتبني أنظمة شفافة للتحقق والتحرير، ستكون الأكثر قدرة على استعادة ثقة الجمهور مستقبلاً. فالسؤال، وفق تحليله، لم يعد ما إذا كانت الثقة ستعود، بل من هي الجهات التي ستكون مستعدة لوراثتها عندما تنهار منظومة الثقة الحالية وتُعاد صياغتها من جديد.










