في وطنٍ مُنهَكٍ بالأزمات، مُثقلٍ بالديون، مُحاصَرٍ بالانهيار، ومُستنزَفٍ بالخلافات الداخليّة، يقف لبنان اليوم أمام سؤالٍ مصيريّ: هل ما زالت الدولة قادرةً على حماية استحقاقاتها الدستوريّة في ظلّ اشتعال المنطقة؟
إنّ أيَّ تصعيدٍ عسكريٍّ واسع، سواء عبر تدخّل الولايات المتحدة الأميركيّة في المواجهة مع إيران، أو من خلال توسّع العدوان الذي تشنّه إسرائيل، لا يبقى محصورًا في جغرافيته، بل يمتدّ تلقائيًا إلى الساحات الهشّة، وفي مقدّمها الساحة اللبنانيّة. وقد أثبتت التجارب أنّ لبنان يدفع دائمًا ثمن الصراعات الكبرى، لا لأنه طرفٌ مباشر، بل لأنه الحلقة الأضعف في منظومةٍ إقليميّةٍ غير متوازنة.
أيُّ تصعيدٍ إقليميّ يؤدّي حتمًا إلى توتّرٍ أمنيّ داخلي، وإلى رفع مستوى الاستنفار، وتزايد المخاوف من توسّع المواجهة. هذا المناخ يُضعِف الثقة، ويُربك المؤسّسات، ويجعل المواطن يعيش تحت ضغطٍ دائم، بين خوفٍ على حياته وخوفٍ على مستقبله. وحين يغيب الاستقرار، تصبح الدِّيمُقراطيّة مهدَّدة، ولو لم تُلغَ رسميًا.
لبنان اليوم يعيش انهيارًا ماليًا غير مسبوق. أي حربٍ أو تصعيدٍ جديد سيؤدّي إلى تراجع الاستثمار، وهروب الرساميل، وارتفاع الأسعار، وازدياد البطالة، وتوسّع رقعة الفقر. وفي ظلّ هذا الواقع، يتحوّل المواطن من ناخبٍ واعٍ إلى إنسانٍ يبحث عن الخبز والدواء، فتتراجع أولويّات الإصلاح والمحاسبة، ويُستبدَل الوعي السياسي بغريزة البقاء.
وفي زمن الأزمات الكبرى، تعيد القوى السياسيّة حساباتها، فتُبدَّل الخطابات، وتُنشأ تحالفاتٌ ظرفيّة، وتُعاد صياغة الاصطفافات وفق المصالح الإقليميّة. عندها، تتحوّل الانتخابات من فرصةٍ للتغيير الحقيقي إلى ساحة صراعٍ بين مشاريع خارجية وأجندات متناقضة، يدفع المواطن وحده ثمنها.
وفي فترات التوتّر، يُستَخدم الإعلام كسلاحٍ ناعم. تُضخّ الأخبار، وتُضخَّم المخاوف، وتُحرَّف الحقائق، ويُعاد تشكيل وعي الناس بما يخدم مصالح معيّنة. فيتحوّل الناخب إلى أسير العاطفة والخوف، لا صاحب قرارٍ حرّ ومسؤول.
أمّا عن احتمال إلغاء الانتخابات، فالواقعيّة السياسيّة تقول إنّ هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا، إلّا في حال اندلاع حربٍ شاملة، أو انهيارٍ أمني واسع، أو تعذّر فتح مراكز الاقتراع، أو تعطّل المؤسّسات الدستوريّة بالكامل. في هذه الحالة فقط، قد يُصار إلى تمديدٍ قسريّ أو تأجيلٍ طويل، وهو خيارٌ بالغ الكلفة سياسيًا داخليًا وخارجيًا. أمّا إذا بقي الحدّ الأدنى من الاستقرار قائمًا، فالأرجح أن تُجرى الانتخابات، ولو في ظروفٍ صعبة، وربّما مع تأجيلٍ تقني محدود في بعض المناطق.
لكنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القصف أو التصعيد، بل في استغلال الأزمات لتعطيل المحاسبة، وتبرير الفشل باسم “الظروف”، وتأجيل الإصلاح بحجّة الأمن، وتكريس الأمر الواقع كقدرٍ لا يُمسّ. لبنان لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأعذار، بل إلى دولةٍ شجاعة، ومؤسّساتٍ مستقلّة، وقيادةٍ تضع مصلحة الشعب فوق كلّ المحاور.
فالانتخابات ليست مجرّد موعدٍ إداري، بل اختبارٌ لوجود الدولة نفسه. إمّا أن نحميها بإرادةٍ وطنيّة صلبة، وإمّا أن نعترف بأنّنا نعيش في وطنٍ مُعلَّق على قرارات الآخرين، ومصالح الخارج، وتقلبات الإقليم..










