20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

شرق سوريا على حافة العاصفة: تفاهمات صامتة وطبول حرب مؤجلة

تتزامن ثلاثة تطورات ميدانية وسياسية في شرق سوريا بصورة تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة المرحلة المقبلة: تعيين مبعوث لمتابعة اتفاق مع “قسد”

بقلم: سماح عثمان
٢٢ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
10 مشاهدة
سوريا

سوريا

تتزامن ثلاثة تطورات ميدانية وسياسية في شرق سوريا بصورة تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة المرحلة المقبلة: تعيين مبعوث لمتابعة اتفاق مع “قسد”، تصاعد هجمات تنظيم الدولة، وعمليات إسرائيلية غير معلنة في الجنوب. هذه الوقائع لا يمكن قراءتها بوصفها أحداثًا منفصلة، بل تبدو أقرب إلى قطع شطرنج يجري تحريكها بهدوء قبل مواجهة إقليمية قد تكون أوسع وأشد تعقيدًا مما توحي به العناوين السريعة.

المشهد السوري، الذي ظل لسنوات ساحة تداخل نفوذ بين قوى محلية وإقليمية ودولية، يشهد اليوم إعادة فرز أوراق دقيقة. وفي ظل توتر إقليمي مفتوح منذ أكتوبر 2023، ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة بدعم أمريكي مباشر، يصبح شرق سوريا جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية، ليمس حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب وأنقرة في آن واحد.

مبعوث واتفاق

تعيين مبعوث خاص لمتابعة اتفاق مع “قسد” يحمل دلالات تتجاوز الإطار الإداري أو البروتوكولي. فـ“قسد” التي تمثل الذراع العسكرية للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، ظلت خلال السنوات الماضية شريكًا أساسيًا للتحالف الدولي بقيادة أمريكا في محاربة تنظيم الدولة، كما أنها تمسك بمفاصل حيوية في مناطق غنية بالنفط والغاز.

التحرك لتثبيت أو تحديث تفاهمات قائمة مع “قسد” يوحي بأن هناك حاجة لإعادة تنظيم العلاقة وضبطها سياسيًا وأمنيًا، ربما تحسبًا لتحولات أكبر. فواشنطن، في ظل إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، تبدو معنية بالحفاظ على أوراق ضغطها شرق الفرات، سواء في مواجهة النفوذ الإيراني أو في إطار التفاوض الأوسع مع موسكو. ومن هنا، قد يكون تعيين المبعوث خطوة استباقية لضمان تماسك الجبهة الشرقية ومنع أي فراغ قد تستغله قوى أخرى.

سوريا وعودة التنظيم

في المقابل، تتصاعد هجمات تنظيم الدولة في مناطق متفرقة من البادية وشرق البلاد، في مشهد يعيد إلى الأذهان مرحلة ما بعد هزيمته الميدانية عام 2019. هذه الهجمات، وإن بدت محدودة من حيث الحجم، فإنها تحمل رسالة بأن التنظيم لا يزال يمتلك خلايا قادرة على المناورة واستثمار الثغرات الأمنية.

بحسب تقارير أمنية غربية، فإن التنظيم يعتمد على حرب الاستنزاف وضرب الأهداف الرخوة، مستفيدًا من اتساع الجغرافيا الصحراوية وتعقيد خطوط السيطرة. عودة النشاط بهذا الشكل تطرح تساؤلات حول قدرة الأطراف المسيطرة على الأرض على التنسيق الفعّال، كما تفتح الباب أمام تبرير استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة تحت عنوان مكافحة الإرهاب، وهو عنوان لطالما شكّل غطاءً لتحركات أوسع.

ضربات الجنوب

في الجنوب السوري، تتواصل عمليات إسرائيلية غير معلنة رسميًا، تستهدف وفق تسريبات إعلامية مواقع يُعتقد أنها مرتبطة بإيران أو حلفائها. إسرائيل دأبت على تنفيذ ضربات جوية داخل سوريا منذ سنوات، لكنها في المرحلة الأخيرة كثّفت عملياتها ضمن سياسة “المعركة بين الحروب”، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب على غزة.

هذه العمليات لا تنفصل عن سعي تل أبيب إلى منع ترسيخ أي بنية عسكرية إيرانية متقدمة قرب الجولان المحتل. وفي ظل التصعيد الإقليمي، تحاول إسرائيل رسم خطوط حمراء جديدة بالقوة، فيما تكتفي دمشق وحلفاؤها غالبًا بردود محسوبة. الصمت الرسمي لا يعني غياب الرسائل، بل ربما يعكس إدارة دقيقة للتصعيد لتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة قبل اكتمال الاستعدادات.

إعادة ترتيب

عند جمع هذه الخيوط معًا، يظهر شرق سوريا كمنطقة يعاد ترتيبها سياسيًا وأمنيًا. تثبيت العلاقة مع “قسد”، إبقاء تنظيم الدولة تحت السيطرة دون القضاء النهائي عليه، واستمرار الضربات الإسرائيلية في الجنوب، كلها عناصر في لوحة إقليمية أكبر تتشكل على وقع توتر ممتد منذ أكتوبر 2023.

السؤال الجوهري هو ما إذا كانت هذه التحركات تمهيدًا لمواجهة إقليمية أوسع، أم أنها مجرد إدارة وقائية لأزمة مفتوحة. المؤشرات توحي بأن الأطراف كافة تسعى إلى تحسين مواقعها قبل أي تصعيد محتمل، سواء كان مرتبطًا بإيران، أو بتوسّع رقعة الحرب التي تقودها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر في المنطقة. وفي ظل هذا المشهد، يبقى شرق سوريا مساحة اختبار لإرادات متصارعة، حيث يُعاد رسم التوازنات بهدوء، لكن تحت سقف نار قابلة للاشتعال في أي لحظة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال