أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، في بيان مشترك صدر اليوم الأحد، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أصدرت وجددت أوامر اعتقال إداري بحق 87 معتقلاً فلسطينياً، لمدد تتراوح ما بين شهرين إلى ستة أشهر قابلة للتمديد لمرات غير محدودة. ويأتي هذا الإعلان ليسلط الضوء مجدداً على واحدة من أبشع الجرائم القانونية والإنسانية التي يرتكبها الاحتلال.
حيث يُزج بالآلاف في السجون دون توجيه تهمة رسمية أو السماح بمحاكمة عادلة، استناداً إلى ما يُعرف بـ "الملف السري". إن هذا الإجراء، الذي استندت فيه سلطات السجون إلى قوانين الطوارئ الموروثة، تحول في عام 2026 إلى أداة يومية تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني واستنزاف قواه الحية، في ظل تصاعد وتيرة الممارسات القمعية التي أعقبت حرب الإبادة الجماعية، مما جعل من سجون الاحتلال ساحة لمواجهة حقوقية وإنسانية كبرى تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف هذه التجاوزات الصارخة.
أرقام قياسية غير مسبوقة في أعداد المعتقلين الإداريين
أكد البيان المشترك للمؤسسات الحقوقية أن الاحتلال يمعن في استخدام جريمة الاعتقال الإداري بمستويات لم يشهدها التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث وصل عدد المعتقلين الإداريين حتى مطلع فبراير الجاري إلى نحو 3,358 معتقلاً.
وتعد هذه النسبة هي الأعلى تاريخياً مقارنة بأعداد الأسرى المحكومين بقضايا محددة أو الموقوفين بانتظار المحاكمة، مما يشير إلى تحول جذري في عقيدة الاحتلال الأمنية التي باتت تعتمد على "الاحتجاز الوقائي" طويل الأمد كوسيلة لفرض السيطرة المطلقة.
وتوضح البيانات أن هؤلاء المعتقلين يتوزعون على مختلف السجون الإسرائيلية، وسط ظروف اعتقالية قاسية تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث يُحرم الأسير من حق الدفاع عن نفسه عبر محاميه، بذريعة أن المعلومات الواردة في ملفه سرية ولا يجوز الاطلاع عليها، وهو ما يجعل القضاء الإسرائيلي مجرد أداة لتشريع قرارات المخابرات (الشاباك).
ذريعة "الملف السري" واستنزاف الأعمار والعائلات
تعتبر ذريعة "الملف السري" هي الثقب الأسود الذي يبتلع أعمار الفلسطينيين خلف القضبان، فبموجبها يتم تمديد اعتقال الأسير قبل ساعات فقط من موعد الإفراج عنه، وهو ما يمثل تعذيباً نفسياً ممنهجاً للمعتقل وعائلته على حد سواء.
وشددت مؤسسات الأسرى على أن هذا التصعيد يأتي في إطار سياسة العقاب الجماعي الممنهجة التي تتبعها حكومة الاحتلال المتطرفة منذ بدء حرب الإبادة، حيث لا يقتصر الاستهداف على النشطاء السياسيين فحسب، بل يمتد ليشمل الأكاديميين والصحفيين والنساء والأطفال.
إن تحويل الاعتقال الإداري إلى قاعدة وليس استثناءً يؤكد أن الاحتلال يسعى إلى تغييب الكوادر الفلسطينية المؤثرة وتفريغ المجتمع من طاقاته، في محاولة يائسة لفرض واقع سياسي وأمني جديد يقوم على القمع والترهيب، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حول مدى جديته في تطبيق اتفاقيات جنيف التي تحظر مثل هذه الممارسات.
الاعتقال الإداري كأداة عقاب جماعي في إطار حرب الإبادة
أشارت المؤسسات الحقوقية في تقريرها المحدث لعام 2026 إلى أن الاعتقال الإداري بات الأداة الأكثر استنزافاً للأسرى وعائلاتهم، حيث يواجه الأهالي رحلة شاقة من الانتظار والترقب أمام محاكم صورية تفتقر للنزاهة.
هذا النوع من الاعتقال لا يهدف فقط إلى عزل الفرد، بل يهدف إلى زعزعة استقرار الأسرة الفلسطينية بأكملها من خلال حرمانها من معيلها أو أحد أفرادها لسنوات طويلة دون أفق واضح للحرية. ومنذ بدء حرب الإبادة، تزايدت أعداد المعتقلين الإداريين بشكل مطرد، حيث يتم استخدام الأوامر العسكرية لتبرير الاختطافات الجماعية التي تتم في مدن الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وتؤكد الشهادات المسربة من داخل السجون أن المعتقلين الإداريين يتعرضون لذات الإجراءات التنكيلية التي يتعرض لها بقية الأسرى، بما في ذلك الإهمال الطبي المعتمد والضرب والحرمان من الزيارات، مما يجعل من صمودهم داخل الزنازين أسطورة نضالية تضاف إلى سجلات الحركة الأسيرة.
صرخة حقوقية ومطالبات دولية بوقف المهزلة القانونية
تختتم هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير بيانهما بدعوة كافة المؤسسات الدولية والحقوقية، وعلى رأسها الصليب الأحمر الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، إلى ضرورة الخروج عن صمتها واتخاذ خطوات عملية للضغط على سلطات الاحتلال لوقف مهزلة الاعتقال الإداري.
إن بقاء أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني رهن الاعتقال التعسفي يمثل طعنة في خاصرة القانون الدولي الإنساني، ويهدد بتفجير الأوضاع داخل السجون وخارجها.
وتؤكد الحركة الأسيرة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار تجديد أوامر الاعتقال، وأن خيار الإضراب الجماعي عن الطعام يظل مطروحاً بقوة كأداة أخيرة لانتزاع الحرية.
إن العالم مطالب اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالاعتراف بأن الاعتقال الإداري هو جريمة حرب مكتملة الأركان، وأن إنصاف هؤلاء المعتقلين يبدأ بإنهاء الاحتلال ووقف العمل بكل القوانين العنصرية التي تشرعن سلب الحرية دون وجه حق.










