شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية، مساء اليوم، موجة جديدة من الاقتحامات والاعتداءات المنسقة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين المسلحين.
ففي محافظة بيت لحم، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة تقوع وسط إطلاق كثيف لقنابل الغاز السام، في حين واصل المستوطنون في مسافر يطا جنوب الخليل حربهم المفتوحة ضد رعاة الأغنام والمزارعين عبر اقتحام المساكن وتخريب الأراضي.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى فرض وقائع جغرافية جديدة، لاسيما في بلدة نعلين غرب رام الله، حيث شرع المستوطنون بتسييج مساحات واسعة من الأراضي الجبلية.
إن هذا التصعيد الممنهج يعكس رغبة الاحتلال في تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم يومي، مستفيداً من الصمت الدولي والغطاء السياسي الممنوح لجرائم الاستيطان الممتدة من شمال الضفة إلى جنوبها.
اقتحام تقوع.. قنابل الغاز وانتشار عسكري في المرافق العامة
أكد تيسير أبو مفرح، مدير مجلس بلدي تقوع، في تصريح صحفي، أن قوات الاحتلال اقتحمت البلدة جنوب شرق بيت لحم، ونشرت آلياتها ودورياتها الراجلة في مناطق حيوية.
وتمركزت القوات في محيط مبنى البلدية عند المدخل الغربي، وفي ميدان الشهيد خليل الوزير وسط البلدة، مما أدى إلى عرقلة حركة المواطنين وإثارة حالة من التوتر الشديد.
وخلال الاقتحام، أطلق الجنود قنابل الغاز السام المسيل للدموع وقنابل الصوت بشكل عشوائي بين منازل المواطنين، ورغم عدم التبليغ عن وقوع إصابات جسدية مباشرة، إلا أن حالات الاختناق بين الأطفال والنساء في البيوت المغلقة باتت ظاهرة متكررة في هذه الاقتحامات التي تهدف إلى كسر الروح المعنوية لأهالي البلدة المحاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية.
إرهاب مسافر يطا.. ملاحقة الرعاة واقتحام مسكن النجار
في جنوب الضفة الغربية، وتحديداً في تجمعات مسافر يطا، واصل المستوطنون تنفيذ عمليات مطاردة يومية بحق الفلسطينيين ورعاة الأغنام. وأفاد نشطاء ميدانيون بأن الاعتداءات طالت خرب "رجوم إعلي"، "أبو شبان"، "الحلاوة"، و"الفخيت"، حيث يتعمد المستوطنون اقتحام المساكن وترهيب قاطنيها.
واليوم، سجلت خربة المركز اعتداءً صارخاً باقتحام مسكن المواطن محمد النجار، حيث قام المستوطنون بإطلاق قطعان أغنامهم في محيط المسكن وداخل الأراضي الزراعية المملوكة للعائلة، في خطوة تهدف إلى إتلاف المحاصيل وتجفيف منابع الدخل الوحيدة لهؤلاء السكان الصامدين.
هذه الحرب "الرعوية" باتت أداة رئيسية في يد المستوطنين لتفريغ مناطق "ج" من أصحابها الشرعيين لصالح التوسع الاستيطاني الرعوي الذي ترعاه حكومة الاحتلال.
نعلين وجبل العالم.. التسييج كأداة للمصادرة والتهويد
لم تكن بلدة نعلين غرب رام الله بمنأى عن هذا العدوان، حيث أقدم مستوطنون مسلحون على تسييج مساحات زراعية واسعة في منطقة جبل العالم ومحيطها.
وأفادت مصادر محلية بأن هذه الخطوة تهدف إلى تحويل البؤرة الاستعمارية الزراعية، التي أقيمت على الجبل قبل عام ونصف، إلى مستوطنة كبرى عبر عزل الأراضي المحيطة بها وحرمان المواطنين من الوصول إليها.
إن تسييج الأراضي يمثل "مصادرة صامتة" تفرض أمراً واقعاً يصعب تغييره لاحقاً، وتضع المزارع الفلسطيني أمام خيارين: إما الصدام مع مستوطنين مسلحين يحظون بحماية الجيش، أو فقدان أرضه للأبد.
وتتعرض منطقة جبل العالم لاعتداءات مزدوجة ومنظمة، حيث تتبادل قوات الاحتلال والمستوطنون الأدوار في قمع أي محاولة شعبية لاسترداد الأراضي أو الدفاع عنها.
حصيلة النزيف في الضفة.. أرقام تعكس واقع الإبادة الصامتة
تشير المعطيات الرسمية الفلسطينية إلى أن الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، تعيش حالة من النزيف المستمر منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
وتظهر الأرقام حجم المأساة؛ حيث استشهد ما لا يقل عن 1,114 فلسطينياً برصاص الاحتلال والمستوطنين، فيما أصيب نحو 11,500 آخرين بجروح متفاوتة.
وعلى صعيد الاعتقالات، وصلت الأرقام إلى مستويات غير مسبوقة بقرابة 22,000 حالة اعتقال، شملت كافة فئات المجتمع الفلسطيني.
هذا التصاعد الممنهج يثبت أن الاحتلال يشن حرباً شاملة لا تقتصر على غزة، بل تستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية عبر القتل والتهجير والاعتقال، في محاولة لتقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وتصفية المشروع الوطني بالكامل.










