أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، اليوم الأحد، أن فرنسا قررت استدعاء السفير الأمريكي في باريس، تشارلز كوشنر، لتقديم احتجاج رسمي على خلفية التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية الفرنسية.
وتأتي هذه الخطوة التصعيدية رداً على موقف واشنطن من حادثة مقتل الناشط اليميني المتطرف في مدينة ليون الأسبوع الماضي، وهو الموقف الذي وصفه بارو في تصريحات إذاعية بأنه "تدخل غير مقبول" يتجاوز الأعراف الدبلوماسية المتبعة بين الحلفاء.
وشدد الوزير الفرنسي على أن بلاده ستبلغ احتجاجها رسمياً للسفير كوشنر، معتبراً أن تقييم الأوضاع الأمنية والسياسية الداخلية هو حق سيادي حصري للدولة الفرنسية ولا يسمح لأي طرف خارجي، مهما بلغت درجة تحالفه، بإعطاء دروس أو نشر تحذيرات تمس بالاستقرار الوطني.
بيان السفارة الأمريكية.. شرارة السجال حول "العنف اليساري الراديكالي"
اندلعت الأزمة بعد قيام السفارة الأمريكية في باريس، بالتعاون مع مكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بنشر تحذير عبر منصة "إكس" تحدث فيه عن "تصاعد العنف اليساري الراديكالي" في فرنسا، داعياً الرعايا الأمريكيين والجهات المعنية للتعامل معه كتهديد للأمن القومي.
هذا التوصيف الأمريكي أثار حفيظة الحكومة الفرنسية التي رأت فيه محاولة لتوجيه الرأي العام الداخلي وتصنيف القوى السياسية الفرنسية وفق منظور أمريكي.
وتعتبر باريس أن نشر مثل هذه التحذيرات في ظل تحقيقات قضائية مستمرة يمثل ضغطاً غير مباشر على سير العدالة ويغذي الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد، خاصة وأن الحادثة المرتبطة بالتحذير لا تزال منظورة أمام القضاء لتحديد المسؤوليات الجنائية والسياسية بدقة.
مقتل "كانتان ديرانك" في ليون.. تفاصيل الحادثة والارتباطات السياسية
تعود جذور الأزمة إلى مدينة ليون، حيث توفي الشاب "كانتان ديرانك" (23 عاماً) متأثراً بإصابة خطيرة في الرأس عقب مشاجرة عنيفة وقعت على هامش لقاء طلابي كانت النائبة اليسارية ريما حسن المتحدثة الرئيسية فيه.
وأسفرت التحقيقات الأولية عن توجيه اتهامات لسبعة أشخاص بالتورط في القتل العمد والتآمر الجنائي، حيث كشفت التقارير الإعلامية عن ارتباط عدد من المشتبه بهم بحركات يسارية راديكالية، وتحديداً جماعة "الحرس الفتي" المناهضة للفاشية.
يذكر أن هذه الجماعة، التي أسسها النائب رافايل أرنو، كانت قد حُلّت بمرسوم حكومي في عام 2025 بسبب تورطها في أعمال عنف ممنهجة، مما جعل مقتل ديرانك يتحول من مجرد شجار طلابي إلى قضية رأي عام سياسية بامتياز تتداخل فيها حسابات اليمين واليسار.
الاستقطاب الأوروبي.. ميلوني تتدخل وماكرون يرد بـ "الندية"
لم تقتصر تداعيات الحادثة على العلاقات مع واشنطن، بل امتدت لتشمل روما؛ حيث اعتبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن مقتل الشاب يمثل "جرحاً لأوروبا بأسرها"، منتقدة ما وصفته بمناخ الكراهية الأيديولوجية المتصاعد في فرنسا.
هذا التعليق قوبل برد حازم وسريع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد خلال زيارته للهند أن من الأفضل أن "يهتم كل شخص بشؤونه"، في إشارة واضحة لرفض باريس الوصاية الإيطالية أو الأمريكية على قضاياها الداخلية.
وتعكس هذه الردود المتشنجة حجم الضغوط التي يتعرض لها الإليزيه في عام 2026، حيث يجد نفسه مضطراً للدفاع عن السيادة الفرنسية في مواجهة جبهات متعددة، بدءاً من الحلفاء التقليديين وصولاً إلى الخصوم السياسيين في الداخل الذين يستغلون الحادثة لاتهام الحكومة بالضعف في مواجهة "الإرهاب الفكري" والطرفي.
مستقبل العلاقات.. هل يتطور الخلاف إلى أزمة صامتة؟
يفتح استدعاء السفير تشارلز كوشنر الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التعاون الأمني والدبلوماسي بين باريس وواشنطن في ظل إدارة أمريكية تبدو أكثر ميلاً للتدخل في ملفات "التطرف الأيديولوجي" الأوروبي.
ويرى محللون أن إصرار باريس على إبلاغ احتجاجها رسمياً هو رسالة ليس فقط لواشنطن، بل لكل العواصم التي تحاول استغلال الاستقطاب الفرنسي لتعزيز أجنداتها الخاصة.
ومع استمرار التحقيقات في ليون وتصاعد نبرة الاحتجاج من قبل اليمين الفرنسي، تجد حكومة بارنو نفسها في مأزق لموازنة الحقوق والحريات مع ضرورة الحفاظ على الأمن العام، مع الحرص على عدم السماح للقضايا الجنائية بأن تتحول إلى "كرة ثلج" تحطم التحالفات الغربية الكبرى في توقيت دولي بالغ التعقيد.










