ما يجري اليوم في شمال سوريا، لا يمكن التعامل مع الانسحاب الأمريكي على أنّه تفصيل عابر أو خطوة تكتيكيّة محدودة الأثر، بل هو تحوّل سياسي وأمني عميق يحمل في طيّاته رسائل تتجاوز الجغرافيا السوريّة إلى كامل الإقليم، وفي مقدّمته لبنان. فالولايات المتحدة، حين تُخفّف حضورها العسكري المباشر، لا تفعل ذلك بدافع الضعف أو الانسحاب من المنطقة، بل في إطار إعادة ترتيب أولويّاتها العالميّة، والانتقال من سياسة التدخّل الميداني إلى إدارة النفوذ عن بُعد، عبر الحلفاء والأدوات السياسيّة والاقتصاديّة والاستخباراتيّة.
هذا الانسحاب يعكس بوضوح توجّهًا جديدًا يقوم على خفض كلفة الصراعات المفتوحة، وتجنّب الاستنزاف العسكري الطويل، والسعي إلى ضبط التوتّرات بدل تفجيرها. نحن أمام مرحلة انتقاليّة لا تُشبه مرحلة الحروب الكبرى، ولا ترقى بعد إلى مستوى التسويات الشاملة. إنّها مرحلة “إدارة الصراع” بدل حسمه، ومرحلة التهدئة غير المعلنة بدل المواجهة المباشرة، ومرحلة التفاهمات الخلفيّة بدل الاتفاقات الرسميّة.
في الداخل السوري، يؤدّي هذا الانسحاب إلى إعادة تثبيت موازين القوى لمصلحة الدولة السوريّة وحلفائها، ويُضعف في المقابل موقع القوى التي كانت تعتمد على المظلّة الأمريكيّة. كما يفتح المجال أمام أدوار إقليميّة أوسع، سواء لتركيا في الشمال، أو لإيران في العمق الاستراتيجي، أو لروسيا في إدارة التوازنات الكبرى. وهذا يعني أنّ سوريا تدخل مرحلة إعادة ترتيب نفوذ، لا مرحلة استقرار نهائي.
إقليميًا، ينعكس هذا التحوّل على مجمل المعادلة. إسرائيل تنظر بقلق إلى أي فراغ قد يملؤه خصومها، وتسعى إلى تعويض الانسحاب الأمريكي بزيادة الضغط العسكري والاستخباراتي. تركيا ترى في ذلك فرصة لتوسيع هامش حركتها ضد الأكراد. إيران ومحورها يعتبرون أنّ المجال الحيوي يزداد اتساعًا، وأن خطوط التواصل والإمداد تصبح أكثر أمانًا. أمّا واشنطن، فتبقى حاضرة سياسيًا، وإن غابت عسكريًا، وتحتفظ بأدوات الضغط عبر العقوبات والتحالفات.
في هذا السياق، لا يمكن عزل لبنان عمّا يجري. فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته وضعفه الداخلي، يتأثّر تلقائيًا بأي تبدّل في المعادلة السوريّة. أمنيًا، أي توتّر على الجبهة السوريّة أو الإسرائيليّة ينعكس عليه مباشرة، سواء عبر الحدود الشرقيّة أو الجنوبيّة. وسياسيًا، يتراجع هامش المناورة أمام القوى اللبنانيّة التي كانت تراهن على الدعم الغربي المباشر، فيما يتعزّز موقع القوى المرتبطة بالمحور الإقليمي الداعم لسوريا وإيران. واقتصاديًا، قد تفتح بعض الفرص عبر المعابر والترانزيت، لكنّها تبقى هشّة ومقيّدة بالعقوبات وبضعف الدولة.
الأخطر في المشهد كلّه أنّ لبنان لا يدخل مرحلة تسويات مستقلّة، بل يدخل مرحلة انتظار. ينتظر ما يُتَّفق عليه في الإقليم، وما يُرسَم لسوريا، وما يُحدَّد للعلاقة بين واشنطن وطهران، وبين موسكو والغرب، وبين تل أبيب ومحور المقاومة. وفي ظل هذا الانتظار، يبقى البلد معلّقًا بين احتمالات التهدئة واحتمالات الانفجار، من دون قدرة حقيقيّة على فرض مساره الخاص.
ما يجري اليوم هو بداية انتقال من زمن الحروب المفتوحة إلى زمن الصراعات المضبوطة، ومن زمن المواجهة المباشرة إلى زمن التفاهمات الرماديّة، ومن زمن التدخّل العسكري إلى زمن الضغط السياسي والاقتصادي. أمّا الاستقرار الحقيقي، فلم يولد بعد، والتسويات الكبرى لم تُنجز، وكل ما نراه هو إعادة تموضع على طريق طويل ومليء بالمفاجآت.
وبين كل هذه التحوّلات، يبقى السؤال الجوهري، هل يبقى لبنان متفرّجًا ينتظر نتائج الصراعات من حوله، أم يحاول، ولو متأخّرًا، أن يبني موقعه على أساس دولة قويّة، وسيادة فعليّة، وقرار وطني مستقلّ؟ هذا هو التحدّي الحقيقي في المرحلة المقبلة، وهذا هو الرهان الذي سيحدّد مصير الوطن، لا الانسحاب الأمريكي وحده، ولا أي تبدّل إقليمي عابر...










