كشفت مجلة "مودرن دبلوماسي" السياسية أن الصين دخلت مرحلة تصعيد أمني واستخباراتي حاد رداً على حملة أطلقتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في فبراير 2026، استهدفت تجنيد عملاء من داخل المؤسسة العسكرية الصينية. وأشارت الكاتبة نادية حلمي إلى أن بكين اعتبرت هذه الخطوة تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتعهدت باتخاذ "جميع التدابير اللازمة" لمواجهتها ومنع اختراق بنيتها العسكرية.
وأوضحت الكاتبة أن الرد الصيني لم يقتصر على التصريحات السياسية، بل حمل رسائل تحذير واضحة تؤكد أن محاولات ما وصفته بكين بـ"القوى المعادية" لن تحقق أهدافها. كما اعتبرت السفارة الصينية في أمريكا أن الفيديو الذي نشرته الاستخبارات الأمريكية يمثل "استفزازاً سياسياً سافراً"، ويكشف بشكل صريح سعي واشنطن إلى اختراق أسرار الدول المنافسة لها، بما يعكس تصعيداً مباشراً في حرب التجسس بين القوتين.
الصين توسع تعريف التجسس
في مواجهة هذا التهديد، سارعت الصين إلى اتخاذ خطوات تشريعية وأمنية واسعة النطاق، شملت تعديل قوانين الأمن القومي لتوسيع تعريف "التجسس" ليشمل نطاقاً أوسع من المعلومات والبيانات التي يمكن اعتبارها تهديداً للأمن. ويعكس هذا التوسع محاولة لإغلاق الثغرات القانونية التي قد تستغلها الأجهزة الأجنبية لاختراق المؤسسات الصينية.
كما منحت السلطات الأمنية صلاحيات إضافية لتفتيش الأجهزة الإلكترونية وفحص محتواها، في خطوة تعكس انتقال الصين إلى مرحلة أكثر تشدداً في مراقبة تدفق المعلومات. ويشير ذلك إلى إدراك القيادة الصينية أن المعركة لم تعد تقليدية، بل باتت تعتمد على السيطرة على البيانات ومنع تسربها، باعتبارها أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية في العصر الحديث.
تعبئة داخلية شاملة
ضمن إطار التصعيد، فعّلت بكين خطوط اتصال خاصة للإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، ودعت المواطنين إلى المشاركة في حماية الأمن القومي من خلال الإبلاغ عن أي تحركات يُشتبه بارتباطها بجهات أجنبية، مقابل حوافز مالية. وتعكس هذه الخطوة محاولة لتحويل المجتمع نفسه إلى جزء من منظومة الدفاع الاستخباراتي.
كما أطلقت السلطات حملات توعية تحذر من أساليب التجسس الحديثة، بما في ذلك استخدام غطاء أكاديمي أو دبلوماسي للتسلل إلى المؤسسات الحساسة. وعلى الصعيد التقني، استخدمت الصين أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى إعلامي مضاد يسخر من الحملة الأمريكية، ويركز على إبراز الأزمات الداخلية الأمريكية، في إطار حرب نفسية وإعلامية موازية للحرب الاستخباراتية.
خلفيات المواجهة السرية
يأتي هذا التصعيد في ظل معلومات تفيد بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تسعى إلى إعادة بناء شبكتها الاستخباراتية داخل الصين، بعد أن تعرضت لضربة قاسية بين عامي 2010 و2012 أدت إلى تفكيك جزء كبير منها. ويعكس ذلك إصرار واشنطن على استعادة قدرتها على جمع المعلومات من داخل العمق الصيني، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين البلدين.
وتشير تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن الصين تمثل التهديد العسكري والأمني الأكثر شمولاً للمصالح الأمريكية وحلفائها، وهو ما يفسر تصاعد الحرب الاستخباراتية بين الطرفين، باعتبارها أحد أهم ميادين الصراع على النفوذ العالمي، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
توقيت حساس داخلياً
تكتسب الإجراءات الصينية أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ جاءت بعد أسابيع من الكشف عن تورط ضابط رفيع المستوى في قضية فساد داخل الجيش الصيني، ضمن حملة واسعة يقودها الرئيس شي جينبينغ لإعادة إحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية. ويشير ذلك إلى أن بكين تنظر إلى أي محاولة اختراق خارجي باعتبارها تهديداً مضاعفاً يستغل نقاط الضعف الداخلية.
وتعكس هذه التطورات أن المواجهة بين الصين وأمريكا لم تعد تقتصر على المنافسة الاقتصادية أو العسكرية التقليدية، بل دخلت مرحلة صراع استخباراتي مفتوح، يسعى فيه كل طرف إلى اختراق بنية الآخر وكشف أسراره. وفي ظل هذا التصعيد، يبدو أن بكين تتحرك بسرعة لإغلاق أبوابها أمام أي اختراق، في معركة خفية قد تكون نتائجها حاسمة في رسم ميزان القوة العالمي خلال السنوات المقبلة.










