20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: صيام السياسة وإفطار الوعود

مع حلول شهر رمضان المبارك، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد يتكرر بمرارة لا تشبه حلاوة طقوسهم المعهودة، حيث يكمل المشهد السياسي شهره الثالث من المراوحة والجمود

بقلم: سارة جاسم
٢٣ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
16 مشاهدة
عراقيون

عراقيون

مع حلول شهر رمضان المبارك، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد يتكرر بمرارة لا تشبه حلاوة طقوسهم المعهودة، حيث يكمل المشهد السياسي شهره الثالث من المراوحة والجمود منذ إعلان نتائج انتخابات تشرين الثاني الماضي. 

وبينما تتهيأ العوائل لمائدة الإفطار بقلوب يملؤها الرجاء، تبدو مائدة "المنطقة الخضراء" خالية إلا من أطباق الخلافات السياسية التي باتت عصية على الهضم، ليتحول الصيام من شعيرة دينية إلى حالة قسرية يعيشها الوطن في انتظار ولادة حكومة طال مخاضها وتعددت القابلات القانونيات المحيطات بسريرها.

مئوية الانتظار في فخ الدستور

لقد تجاوز العراق عتبة التسعين يوماً على إعلان النتائج، وهي فترة كافية في العرافات السياسية المستقرة لبناء دول، لكنها في العرف العراقي لم تكن سوى جولة استعراضية للقوى التي أفرزتها الصناديق. إن الانسداد الحالي ليس مجرد عجز فني عن اختيار أسماء، بل هو صراع عميق على هوية المرحلة القادمة، حيث يصطدم طموح الإطار التنسيقي في تثبيت أركان حكمه برفض إقليمي ودولي، وتحديداً الفيتو الأمريكي الذي يلوح في الأفق تجاه بعض الأسماء الجدلية التي طُرحت لرئاسة الوزراء.

 هذا التعارض في الإرادات جعل من منصب رئيس الجمهورية "قفل الباب" الذي ضاع مفتاحه في أروقة الخلاف الكردي-الكردي، لتظل العملية السياسية برمتها رهينة توافقات لم تنضج بعد، رغم مرور ربع عام على إدلاء الناخب بصوته.

مآدب الإفطار أم فخاخ الحوار؟

في هذا الشهر الفضيل، تنتقل المفاوضات من القاعات المغلقة إلى مآدب الإفطار، حيث تُغلف الصراعات السياسية بعباءة الروحانية والمجاملات الاجتماعية. لكن التحليل الذكي لهذا المشهد يكشف أن "دبلوماسية التمر واللبن" لم تنجح تاريخياً في فك عقدة العراق المستعصية، بل غالباً ما كانت ترحيلاً للأزمات خلف جدران التسامح الصوري. 

فالأزمة اليوم ليست في "قلة اللقاءات"، بل في انعدام الثقة وتضارب الأجندات حول إدارة الموارد والنفوذ، مما يجعل من إفطارات السياسيين مجرد استراحة محارب، بينما يستمر المواطن في صيامه السياسي الطويل، منتظراً "هلال" التوافق الذي يبدو محجوباً بغيوم المصالح الحزبية الضيقة.

ضريبة العناد في جيوب الفقراء

إن أخطر ما في هذا الانسداد هو انعكاسه المباشر على معيشة المواطن، فالبلاد اليوم تدار بعقلية "تصريف الأعمال" في وقت يحتاج فيه السوق إلى قرارات حازمة وجريئة لمواجهة التضخم العالمي وارتفاع أسعار السلع الأساسية مع ذروة الاستهلاك الرمضاني.

 إن غياب موازنة عامة مقرة بسبب تعطل تشكيل الحكومة يمثل طعنة في خاصرة الطبقات الهشة، حيث يجد الصائم نفسه محاصراً بين نارين: نار الغلاء التي تلتهم مدخراته البسيطة، وبرود السياسيين الذين لا يستشعرون وطأة الجوع والقلق الذي يسكن البيوت. فبينما يتنازع القادة على أحقية "الكتلة الأكبر"، تظل "الكتلة الصامتة" من الفقراء هي التي تدفع ضريبة هذا العناد السياسي من أمنها الغذائي واستقرارها النفسي.

نحو إفطار وطني حقيقي

في الختام، لا يمكن فصل قدسية رمضان عن استحقاقات الوطن، فإذا كان الصوم هو الامتناع عن المباحات تقرباً لله، فإن "الصيام عن الحلول" هو خطيئة كبرى في حق شعب لم يعد يملك ترف الانتظار.

 إن مرور ثلاثة أشهر دون خرق حقيقي لجدار الأزمة يضع الطبقة السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تغليب منطق الدولة والتنازل من أجل العراقيين الذين أثبتوا صبراً يفوق الوصف، أو الاستمرار في نهج "كسر العظم" الذي قد ينتهي بكسر ما تبقى من آمال في العملية الديمقراطية. رمضان هو شهر الإصلاح والمراجعة، ولعل أفضل قربى يمكن أن يقدمها الساسة اليوم هي "إفطار سياسي" بقرار وطني شجاع ينهي حالة الشلل، ويعيد للدولة هيبتها وللمواطن طمأنينته المفقودة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير