4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تكاتف اجتماعي بروح دينية.. خيمة سنجل الرمضانية نموذج للصمود الفلسطيني المبتكر

في مشهدٍ يمزج بين عبق الروحانيات الرمضانية وعزيمة الرباط فوق الأرض، أقام مجموعة من شبان بلدة "سنجل" الواقعة شمال مدينة رام الله خيمة رمضانية

بقلم: محمد خميس
٢٣ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
16 مشاهدة
Screenshot_1

Screenshot_1

في مشهدٍ يمزج بين عبق الروحانيات الرمضانية وعزيمة الرباط فوق الأرض، أقام مجموعة من شبان بلدة "سنجل" الواقعة شمال مدينة رام الله خيمة رمضانية متميزة، لم تقتصر وظيفتها على مظاهر الاحتفال التقليدية بالشهر الفضيل. 

فبينما تتدلى الفوانيس الملونة والإضاءات الزاهية لتُعلن حلول رمضان 2026، تحولت هذه الخيمة في الوقت ذاته إلى غرفة عمليات ميدانية ومركز تجمع رئيسي للجان الحراسة التطوعية. 

هذه المبادرة الشبابية تأتي في ظل واقع أمني معقد تعيشه القرى الفلسطينية المحيطة بالمستوطنات، حيث بات الحفاظ على أمن المنازل والممتلكات يتطلب يقظة دائمة تبدأ مع خيوط الغروب الأولى ولا تنتهي إلا مع أذان الفجر، ليصبح الصيام في سنجل عبادةً ورباطاً في آن واحد.

مركز للتحرك الميداني.. كيف تعمل خيمة الحراسة في ليل رمضان؟

أوضح أحد المتطوعين المشاركين في المبادرة أن الخيمة باتت تمثل النواة الأساسية لتجمع شبان البلدة المنخرطين في فرق الحراسة الليلية، مؤكداً أن الفكرة نبعت من الحاجة الماسة لتنظيم الجهود الشعبية في ظل تصاعد وتيرة هجمات المستوطنين الإرهابية. 

فبدلاً من أن يقضي الشبان أوقاتهم في المنازل بعد صلاة التراويح، يتقاسمون المهام داخل الخيمة، ويوزعون الأدوار لرصد أي تحركات مشبوهة للمستوطنين على أطراف البلدة.

 هذا التواجد المنظم خلق حالة من الطمأنينة لدى الأهالي، خاصة العائلات التي تقع منازلها في المناطق المتاكسة للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، والتي كانت تاريخياً عرضة لعمليات الحرق والتخريب الممنهج من قبل عصابات المستوطنين.

أدوات بسيطة وإرادة صلبة.. الكشافات في مواجهة السلاح

وعن طبيعة المهام التي تنفذها لجان الحراسة من قلب الخيمة، ذكر أحد الشبان المتطوعين أن الهدف الأساسي هو تعزيز التكاتف بين أبناء بلدة سنجل لمواجهة التهديدات الوجودية. وتعتمد هذه اللجان على وسائل دفاعية شعبية بسيطة لكنها فعالة، حيث يتم استخدام الكشافات القوية لإضاءتها في وجوه المستوطنين المقتحمين لكشف تحركاتهم وإرباكهم، بالإضافة إلى الجاهزية للتصدي الجسدي المباشر في حال محاولتهم الاقتراب من بيوت المواطنين أو إحراق سياراتهم وممتلكاتهم. 

إن هذه المواجهة الميدانية تعتمد بشكل كبير على عنصر المفاجأة والانتشار السريع، وهو ما توفره الخيمة كمركز انطلاق دائم يضمن وجود الشبان في حالة تأهب قصوى طوال ساعات الليل.

عقيدة التواجد في الأرض.. رباط وصمود ضد محاولات الاقتلاع

يؤكد النشطاء في لجان الحراسة أن انطلاق عملهم من داخل هذه الخيمة الرمضانية ينبع من "مبدأ التواجد الأصيل في الأرض"، معتبرين أن ما يقومون به هو شكل من أشكال الرباط المقدس. 

ويرى شبان سنجل أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى عبر إطلاق العنان للمستوطنين إلى خلق حالة من الرعب تدفع الفلسطينيين لترك أراضيهم طوعاً تمهيداً لإحلال المستوطنين مكانهم.

 لذا، فإن الخيمة الرمضانية هي رسالة سياسية ووطنية مفادها أن الشعب الفلسطيني متمسك بوجوده وبممارسة طقوسه الدينية والاجتماعية رغم كل الصعاب، وأن الفانوس الذي يضيء خيمة رمضان هو ذاته الكشاف الذي يحمي حدود القرية من الغزاة.

تعد مبادرة خيمة سنجل نموذجاً ملهماً للتكافل الاجتماعي في فلسطين، حيث لا تقتصر المشاركة فيها على فئة معينة، بل تحظى بدعم وتأييد من كافة أهالي البلدة الذين يزودون الشبان بالماء والطعام خلال سحورهم في نقاط الحراسة. 

إن هذا التلاحم بين لجان الحراسة والعمق الشعبي يعزز من صمود القرية في وجه التغول الاستيطاني الذي يحيط بها من عدة جهات. 

وفي نهاية المطاف، تبقى خيمة سنجل الرمضانية شاهدة على أن الفلسطيني يجيد صناعة الحياة والفرح حتى في أحلك الظروف، محولاً رمزية الشهر الكريم إلى دافع إضافي لحماية الأرض والمقدسات من خطر الاقتلاع المستمر.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال