أكدت الهيئة الوطنية للرقابة النووية في بغداد، الثلاثاء، أن جسر الطوبجي آمن من أي تلوث إشعاعي، نافيةً صحة الأنباء التي تحدثت عن مخاطر تهدد المواطنين. وجاء هذا النفي في بيان رسمي نشرته وكالة الأنباء العراقية، في محاولة واضحة لاحتواء حالة القلق التي تصاعدت خلال الساعات الأخيرة. ودعت الهيئة المواطنين إلى عدم الانجرار وراء ما وصفته بـ"الشائعات"، والتقيد حصراً بالمعلومات الرسمية.
ويعكس هذا التحرك السريع إدراكاً رسمياً لحساسية ملف التلوث الإشعاعي في العراق، خاصة في ظل الإرث الثقيل الذي خلفته الحروب السابقة والتلوث المرتبط بها. كما يشير إلى خشية السلطات من تحول القضية إلى أزمة رأي عام، في حال ترسخت قناعة بوجود خطر فعلي. ويأتي هذا النفي في وقت تتزايد فيه الشكوك الشعبية تجاه البيانات الحكومية المتعلقة بالقضايا البيئية والصحية.
جسر الطوبجي.. تلوث محدود خطير
رغم النفي، أقرت الهيئة بوجود تلوث إشعاعي فعلي في جسر الطوبجي، لكنها وصفته بأنه "موقعي محدود وثابت وغير قابل للانتشار". وأكدت أن الوضع تحت السيطرة الكاملة، ولا يشكل أي تهديد للصحة العامة أو البيئة. غير أن مجرد الاعتراف بوجود تلوث، حتى لو كان محدوداً، يطرح تساؤلات حول مصدره الحقيقي وتوقيت اكتشافه.
وتاريخياً، ارتبطت مثل هذه الحالات بمخلفات صناعية أو مواد مشعة غير مؤمنة بشكل كافٍ، وهو ما يثير مخاوف من وجود ثغرات في منظومة الرقابة. كما أن استخدام مصطلحات مثل "محدود" و"ثابت" يعكس محاولة لطمأنة الرأي العام، دون تقديم تفاصيل تقنية دقيقة حول مستوى الإشعاع وخطورته الفعلية. وهذا الغموض يفتح الباب أمام تكهنات حول مدى شفافية المعلومات المعلنة.
إجراءات ميدانية مشددة
أعلنت الهيئة أن الفرق الفنية تواصل أعمال المعالجة والقياسات الإشعاعية بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية العراقية، وفق المعايير الوطنية والدولية. وأكدت أن هذه الإجراءات تأتي ضمن بروتوكولات اعتيادية تهدف إلى ضمان استقرار الموقع بشكل كامل. كما شددت على أن المعالجة تتم وفق ضوابط السلامة المعتمدة.
من جانبه، أوضح محمد جاسم محمد، مدير مديرية الطوارئ النووية والإشعاعية، أن الفرق المختصة فرضت طوقاً أمنياً حول الموقع، مع تقييد الوصول إليه. وأضاف أن الإجراءات تضمنت استخدام مواد عازلة واتخاذ تدابير وقائية لمنع انتشار التلوث. وتعكس هذه الإجراءات مستوى القلق الفني من احتمال تفاقم الوضع، رغم التصريحات الرسمية المطمئنة.
مخاوف ثقة عامة
تكشف هذه الواقعة عن أزمة أعمق تتعلق بثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية، خاصة في القضايا المرتبطة بالصحة والبيئة. فالتجارب السابقة أظهرت أن بعض المخاطر لم يتم الكشف عنها إلا بعد فترات طويلة من وقوعها. وهذا ما يجعل أي إعلان رسمي بالنفي موضع تدقيق وتشكيك من قبل الرأي العام.
كما أن استمرار أعمال المعالجة، رغم التأكيد على عدم وجود خطر، يطرح تساؤلات حول حقيقة الوضع الميداني. ويشير ذلك إلى وجود فجوة بين الخطاب الإعلامي الرسمي والإجراءات الفنية الفعلية. وفي ظل هذا التناقض، يبقى ملف التلوث الإشعاعي في جسر الطوبجي اختباراً جديداً لمصداقية المؤسسات الرقابية العراقية وقدرتها على إدارة الأزمات بشفافية كاملة.









