في الذكرى الرابعة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا (24 فبراير 2022)، شهدت موسكو تفجيرًا انتحاريًا أودى بحياة ضابط مرور والمهاجم، وأصاب شخصين آخرين قرب محطة سافيولوفيسكي للسكك الحديدية. ويثير توقيت الحادث — بعد منتصف الليل مباشرة في ذكرى الغزو — أسئلة حادة حول ما إذا كانت الحرب تمتد إلى قلب الأراضي الروسية.
وفي الوقت ذاته، شنت روسيا ضربات واسعة خلال الليل على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل مدنيين وزيادة انقطاع الكهرباء، مع دخول النزاع عامه الخامس. التكاليف الإنسانية هائلة، حيث يُتوقع أن يصل إجمالي الضحايا إلى مليوني شخص، مع احتياجات إعادة الإعمار التي تقارب 588 مليار دولار.
كما تستمر الحرب في إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية: عائدات الوقود الأحفوري الروسية انخفضت بنسبة 27٪ على أساس سنوي رغم زيادة حجم الصادرات، بينما خفضت أوروبا اعتمادها على الغاز الروسي إلى 12٪ فقط. وأصدرت الدول العربية ردود فعل متزنة، داعية للحوار وتقديم المساعدات الإنسانية دون انحياز كبير، وهو ما يعكس العلاقات العملية مع موسكو.
ويشير الحادث في موسكو، إلى جانب الضربات العميقة التي شنتها أوكرانيا على الصناعة الروسية، إلى مرحلة خطيرة جديدة من الانفلات غير المتماثل، رغم عدم وجود رابط مباشر مثبت مع كييف. وبدون اختراقات في المحادثات المتعثرة، تظل مخاطر وقوع هجمات داخلية أخرى وصدمات في الطاقة مرتفعة.
مقتل ضابط شرطة في تفجير موسكو
اقترب مهاجم مجهول في ساعات الفجر الأولى من 24 فبراير 2026، من سيارة دورية للشرطة المرورية في ساحة محطة سافيولوفيسكي — واحدة من أكثر محطات السكك الحديدية ازدحامًا في شمال وسط موسكو — وفجر جهازًا متفجرًا. أسفر الانفجار عن مقتل الملازم في الشرطة دينيس براتوشينكو البالغ من العمر 34 عامًا (كبير مفتشي المرور) والمهاجم نفسه، بينما أصيب ضابطان آخران ونقلا إلى المستشفى.
وصف المسؤولون الروس الحادث بأنه هجوم انتحاري؛ توفي المشتبه به في مكان الحادث. ولم يتم تحديد الدافع علنًا، ولم تتبن أي جهة المسؤولية. وقع الحادث في الوقت نفسه الذي تحيي فيه أوكرانيا ذكرى الغزو، ما زاد التكهنات حول الإرهاب المرتبط بالحرب أو الانتقام. وأفادت وسائل الإعلام الروسية والمسؤولون بمشاهد السيارات المدمرة والأضرار والحواجز الأمنية والاستجابة الطارئة. ويعد هذا الحادث أحدث سلسلة حوادث داخل روسيا بعد ضربات أوكرانية بعيدة المدى على أهداف عسكرية وصناعية.

القصف المستمر والتداعيات الإنسانية والاقتصادية
مع دخول الحرب عامها الخامس، كثفت روسيا هجماتها في الأيام التي سبقت 24 فبراير. ففي 22-23 فبراير، أطلقت موسكو مئات الطائرات بدون طيار وعشرات الصواريخ، مستهدفةً بشكل رئيسي شبكة الطاقة الأوكرانية في كييف وأوديسا ودنيبرو ومناطق أخرى. قتل ما لا يقل عن أربعة مدنيين، بما في ذلك ضحايا في أوديسا جراء ضربات صناعية، وحدثت انقطاعات واسعة في الكهرباء وسط درجات حرارة متجمدة. أسقطت الدفاعات الجوية الأوكرانية أكثر من 100 طائرة بدون طيار، لكن الضرر بالبنية التحتية استمر في التصاعد.
التكلفة الإنسانية: بلغ عدد الوفيات بين المدنيين في 2025 مستويات قياسية (2,514 وفق مراقبي الأمم المتحدة). ويقترب إجمالي الضحايا (قتلى، جرحى، مفقودين) من مليوني شخص، مع تكبد روسيا أكبر الخسائر (~1.2 مليون، بما في ذلك حتى 325,000 وفاة). وتضررت أكثر من 1,685 موقعًا للتراث الثقافي؛ وتشرد الملايين داخليًا أو إلى الخارج. وقد تركت الهجمات على الطاقة أجزاءً من أوكرانيا تواجه انقطاعًا طويلًا للكهرباء، ما أثر على المستشفيات، وإمدادات المياه، والتدفئة.
اقتصاديًا، تجاوزت الأضرار المباشرة 195 مليار دولار، مع احتياجات إعادة الإعمار التي تقترب من 588 مليار دولار (تحديث البنك الدولي RDNA)، وكانت القطاعات الأكثر تضررًا هي الإسكان والطاقة والنقل. تحتل روسيا نحو 20٪ من الأراضي الأوكرانية، لكن التقدم على الأرض يظل بطيئًا ومكلفًا.
هل تشهد موسكو امتداد الحرب إلى داخل أراضيها؟
أشار التقرير إلى أن تفجير موسكو في 24 فبراير، بالتزامن مع الذكرى ونجاح أوكرانيا في ضرب مصانع الصواريخ والمصافي الروسية (مثل فوطكنسك)، يمثل امتدادًا ملموسًا للصراع. ورغم أن السلطات الروسية لم تربط الهجوم مباشرة بأوكرانيا، فإن التوقيت يوحي بشدة بإما الانتقام غير المتماثل المباشر، أو الإرهاب المستوحى من الحرب، أو رد فعل داخلي متزايد بفعل تعب الحرب. وأظهرت أوكرانيا قدرتها على العمليات بعيدة المدى داخل روسيا، ما قلل من شعور موسكو بالأمان.
يندرج هذا ضمن نمط أوسع: حملات الطائرات بدون طيار والصواريخ الأوكرانية تسببت في نقص الوقود واضطرابات صناعية عميقة في روسيا. ومع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات، تزيد مثل هذه الحوادث الضغط الداخلي على الكرملين، مما قد يفرض تحويل الموارد إلى الأمن الداخلي. وتشمل المخاطر التصعيد في التكتيكات الهجينة (تخريب، إلكترونية) وهجمات إضافية على المواقع الرمزية أو محاور النقل. وبدون تحديد المسؤول أو تخفيف التوتر، يمثل هذا تطورًا خطيرًا من استنزاف الجبهة إلى استهداف داخلي متبادل.
تأثير النزاع المستمر على أسواق الطاقة
انخفضت عائدات تصدير النفط والغاز في روسيا بنسبة 27٪ في 12 شهرًا حتى 24 فبراير 2026 (إلى 193 مليار يورو)، رغم زيادة حجم النفط الخام الموجه إلى آسيا. وقد أضعفت الخصومات وحدود العقوبات الأرباح؛ وانخفضت صادرات الغاز إلى أوروبا بشكل حاد.
وفي أوروبا انخفضت حصة الغاز الروسي من واردات الاتحاد الأوروبي من 45٪ قبل الحرب إلى 12٪ في 2025. تم حظر واردات الفحم، وبلغت واردات النفط تقريبًا الصفر (2٪ فقط متبقية). وقد سرّع برنامج REPowerEU التحول إلى الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي المسال، رغم ارتفاع التكاليف واستمرار نقاط الضعف الشتوية.
يؤثر أي خطر على الإمداد على سعر خام برنت في العالم، كما سرّعت الحرب التحول الأخضر في أوروبا (من المتوقع مضاعفة القدرة المتجددة بين 2022 و2027) لكنها زادت من تكاليف الانتقال. العقوبات وإعادة التوجيه خلقت سوقًا مجزأً: آسيا تحصل على براميل روسية مخفضة، وأوروبا تدفع أسعارًا أعلى للبدائل.
على المدى الطويل، تواجه موسكو قيودًا على رأس المال والتكنولوجيا في قطاع الطاقة؛ والانفصال الأوروبي عن الغاز الروسي أصبح هيكليًا. استمرار الحرب يزيد من عدم اليقين في الأسعار، مستفيدًا منه المنتجون مثل الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط، لكنه يثقل كاهل المستوردين.
ردود الفعل الرسمية العربية في الذكرى الرابعة
حافظت الدول العربية على موقف عملي ومحايد نسبيًا، متجنبة الانخراط العميق، مع الدعوة إلى التهدئة، فمن خلال الدعوة للسلام والحوار، كررت السعودية والإمارات ودول أخرى دعم "الجهود الدولية" نحو حل النزاع، مع التركيز على المساعدات الإنسانية واحترام السيادة، متماشية مع التصويتات السابقة في الأمم المتحدة التي تدين العدوان لكنها ترفض الانحياز الكامل للعقوبات. وأكد ولي العهد السعودي اهتمامه بحل الأزمة.
ومن جانبها حافظت موسكو على علاقات قوية عبر أوبك+ والأسلحة والدبلوماسية، كما أبرز لافروف في مقابلة حديثة على قناة العربية الشراكات العربية الروسية المتينة. ولم تصدر أي عواصم عربية كبيرة إدانات حادة في الذكرى.
كما شددت مصر والأردن والجامعة العربية على معاناة المدنيين والدعوة لوقف إطلاق النار. وكانت هناك مراقبات محدودة أو بيانات قوية مؤيدة لأوكرانيا، مع التركيز على تعددية الأقطاب وعدم التدخل.
تعكس ردود الفعل العربية سياسة تحوطية استراتيجية — إدانة انتهاكات القانون الدولي من حيث المبدأ، مع الحفاظ على الروابط الاقتصادية والأمنية مع روسيا. ولم يظهر أي موقف جماعي موحد في 24 فبراير، مما يوضح أن الحرب تحتل أولوية ثانوية في المنطقة.
تحول خطير
يشير تفجير موسكو في الذكرى الرابعة إلى تحول خطير: لم تعد الحرب محصورة في الأراضي الأوكرانية، بل تستمر الضربات الروسية في إلحاق الألم الإنساني والاقتصادي، بينما يعيد إعادة تشكيل أسواق الطاقة التوازن طويل المدى مع تكلفة قصيرة المدى، كما تبقى ردود العرب متزنة وتركز على الاستقرار.
ومع توقف المحادثات وتزايد التكتيكات غير المتماثلة، يظل 2026 معرضًا لمزيد من الانفلات — هجمات داخلية في روسيا، صدمات في الطاقة، وتورط وكلاء إقليميين — ما لم يتحقق وقف إطلاق نار دائم. ستحدد اليقظة على الأمن الداخلي واستراتيجيات الطاقة المتنوعة العام المقبل.










