كشف معهد الدراسات الأمنية الإسرائيلي (INSS) في دراسة حديثة عن تحول واضح في موقف المملكة العربية السعودية تجاه عملية التطبيع مع إسرائيل، مؤكدًا أن العلاقة بين الرياض وتل أبيب تواجه تعقيدات جديدة نتيجة التطورات الأخيرة في غزة وفي السياسة الإسرائيلية الإقليمية.
وفق الدراسة، التي أعدها الباحث د. يوئيل جوزنسكي، فإن التحول السعودي يرتبط بمحاولة الرياض إعادة صياغة جدول أعمال داخلي وإقليمي، يوازن بين تعزيز شرعية القيادة داخليًا وبين الحفاظ على طموحاتها القيادية في المنطقة. ويشير التحليل إلى أن التطبيع السعودي-الإسرائيلي لم يعد على الطاولة حاليًا، وأن أي استئناف محتمل للعملية يعتمد على مستجدات في القضية الفلسطينية، التغيرات في ميزان القوة الإقليمي، ومدى إدراك الرياض للمخاطر مقابل الفوائد المحتملة من الانفتاح على إسرائيل.
الرأي العام السعودي وتأثيره
سبر الآراء الذي أجري في المملكة منذ حرب غزة أظهر أن غالبية السعوديين (حوالي 99%) يعتبرون إقامة "علاقات طبيعية وسلام" مع إسرائيل خطوة سلبية. ويشير التحليل الإسرائيلي إلى أن هذه المعطيات تحد من حرية تحرك القيادة السعودية تجاه إسرائيل، حتى مع وجود توجهات سابقة لتجربة "التطبيع الزاحف" الذي بدأ قبل الحرب عبر السماح للرحلات الإسرائيلية بالمرور في المجال الجوي السعودي، التعاون الأمني المحدود، وتصريحات معتدلة من كبار المسؤولين، بما في ذلك ولي العهد محمد بن سلمان.
موقف القيادة السعودية
تراجعت الرياض عن خطوات التطبيع تدريجيًا بعد بداية الحرب، مؤكدًة أن أي تقدم في العلاقات مع إسرائيل مشروط بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط 1967، عاصمتها القدس الشرقية. وأكد ولي العهد أن الدعم للفلسطينيين أصبح عنصرًا أساسيًا للحفاظ على شرعيته الداخلية. كما حددت الحكومة السعودية، عبر تصريحات وزير الخارجية فيصل بن فرحان ونواب آخرين، أن التطبيع مع إسرائيل دون حل للقضية الفلسطينية يعد خطوة غير مقبولة استراتيجيًا.
الإعلام والسياق الفكري
رغم أن الإعلام السعودي يخضع لسيطرة الدولة، فقد أظهرت المقالات والتحليلات الفكرية بعد الحرب تزايد الانتقاد الإسرائيلي، مع التأكيد على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية قبل أي تطبيع. كما سجل المعهد الإسرائيلي ارتفاعًا في خطاب معادٍ لإسرائيل وحتى في بعض مظاهر معاداة للسامية في وسائل الإعلام والتحليلات الفكرية، والتي ظهرت في الصحف المملوكة للرياض مثل Arab News وAsharq al-Awsat.
التحركات الدبلوماسية
استغلت الرياض التوترات الإسرائيلية لتعزيز موقعها الإقليمي، عبر مبادرة سعودية-فرنسية للضغط من أجل الاعتراف بدولة فلسطينية، ودعم جهود الأمم المتحدة وأونروا. وفي الوقت نفسه، عملت السعودية على تعزيز علاقاتها مع تركيا وقطر، في محاولة لتوفير تحالفات استراتيجية تقلل من المخاطر المحتملة في ظل تحركات إسرائيلية غير محسوبة.
خلاصة التقرير
يشير المعهد إلى أن الرياض ترى اليوم أن المخاطر من التطبيع مع إسرائيل تفوق المكاسب، وأن العودة إلى سياسة الانفتاح السابق تتطلب تغيرًا جوهريًا في الوضع السياسي الإقليمي، بما يشمل التغيرات في إسرائيل وارتباط الرياض بعلاقاتها مع واشنطن وميزان القوى الإقليمي. وبحسب التحليل الإسرائيلي، فإن أي خطوة سعودية مستقبلية تجاه التطبيع ستكون مرتبطة أساسًا بمسار القضية الفلسطينية وحاجة ولي العهد للحفاظ على شرعيته داخليًا.










