أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، عبر مساعد الوزير للشؤون العامة العالمية ديلان جونسون، التدشين الرسمي للموقع الإلكتروني الخاص بما يسمى "مجلس السلام"، في خطوة تعكس انتقال المبادرة الأمريكية من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة التأسيس المؤسسي والعملي. ويأتي إطلاق هذه المنصة ضمن المبادرة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تزعم واشنطن أنها تهدف إلى إنهاء العمليات العسكرية في قطاع غزة، بينما تشير الوقائع إلى أنها تمثل إطاراً سياسياً لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني تحت إشراف أمريكي مباشر.
ويقدم الموقع نفسه كمنصة مرجعية للوثائق التأسيسية للمجلس، مع إتاحته باللغتين العربية والإنجليزية، في محاولة واضحة لمنح المشروع غطاءً دولياً وإقليمياً وإظهاره كمسار مؤسساتي منظم. ويتضمن محتوى الموقع تفاصيل خطة التسوية المقترحة، والهيكل التنظيمي للمجلس، وأسماء القيادات المشرفة عليه، بما يكشف أن المشروع تجاوز الطابع النظري إلى بناء منظومة حكم كاملة موازية، يجري إعدادها لتولي إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب التي اندلعت منذ أكتوبر 2023.
تمويل مشروط سياسياً
كشف ترامب عن نجاح إدارته في جمع تعهدات مالية تتجاوز 7 مليارات دولار، قال إنها مخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة، في خطوة تعكس استخدام ملف الإعمار كأداة سياسية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني وفق الرؤية الأمريكية. وتشمل قائمة الدول المساهمة دولاً من آسيا الوسطى مثل كازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان، إلى جانب دول عربية من بينها الإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية والكويت، ما يعكس محاولة واشنطن حشد غطاء مالي متعدد الأطراف لخطة ذات طابع سياسي استراتيجي.
وفي موازاة ذلك، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستقدم مساهمة مباشرة بقيمة 10 مليارات دولار لتمويل ميزانية المجلس، الذي يتولى رئاسته بنفسه، في مؤشر واضح على أن واشنطن لا تكتفي بدور الراعي، بل تسعى لقيادة المشروع والتحكم في مساراته التنفيذية. ولم تُعلن حتى الآن تفاصيل توزيع هذه الأموال، ما يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة استخدامها، وما إذا كانت ستوجه فعلياً لإعادة الإعمار أم لتأسيس منظومة أمنية وإدارية جديدة تخدم الترتيبات الأمريكية في القطاع.
هياكل الإدارة الانتقالية
يمثل "مجلس السلام" أحد أربعة أطر تنظيمية أنشأتها إدارة ترامب لإدارة ما تصفه بـ"المرحلة الانتقالية" في قطاع غزة، إلى جانب "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، و"مجلس غزة التنفيذي"، إضافة إلى "قوة الاستقرار الدولية" التي يُفترض أن تتولى المهام الأمنية. ويعكس هذا التعدد المؤسسي محاولة بناء منظومة حكم متكاملة بديلة، تعمل تحت إشراف خارجي مباشر، بما يعيد إنتاج نماذج الوصاية الدولية التي عرفتها مناطق نزاع أخرى.
ورغم تقديم هذه الهياكل تحت عنوان إعادة الاستقرار، فإن مراقبين أشاروا إلى أن الميثاق التأسيسي للمجلس يخلو من أي إشارة صريحة إلى غزة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات تشير إلى أن المشروع لا يستهدف فقط إدارة القطاع، بل إعادة تعريف وضعه القانوني والسياسي. ويعزز هذا الغموض المخاوف من أن يكون الهدف النهائي هو تجريد الفلسطينيين من سيادتهم الفعلية، واستبدالها بإدارة انتقالية طويلة الأمد تخضع للنفوذ الأمريكي.
أهداف تتجاوز الإعمار
تحاول واشنطن من خلال إطلاق الموقع الإلكتروني إضفاء طابع من الشفافية الشكلية على مشروعها، عبر نشر التقارير والقرارات والأنشطة، إلا أن هذه الخطوة تأتي في سياق أوسع يتصل بإعادة صياغة النظام السياسي والأمني في غزة بعد الحرب المدمرة التي دعمتها الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً منذ بدايتها. ويشير توقيت إطلاق المجلس، بعد أشهر من العمليات العسكرية واسعة النطاق، إلى وجود ترابط عضوي بين الحرب ومخططات إعادة الهيكلة السياسية.
ويؤكد هذا المسار أن ملف الإعمار يُستخدم كمدخل لإعادة ترتيب التوازنات السياسية، وليس مجرد استجابة إنسانية لآثار الحرب، خاصة في ظل قيادة ترامب المباشرة للمجلس، وحجم التمويل الضخم المرتبط به. وبذلك، يتحول "مجلس السلام" من مبادرة معلنة لإنهاء الحرب إلى أداة لإدارة نتائجها، بما يكرس واقعاً سياسياً جديداً في قطاع غزة، يتقاطع مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.










