21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مسلسل "صحاب الأرض".. الدراما المصرية تزلزل الإعلام العبري وتعيد صياغة سردية الحق

المسلسل الذي يسلط الضوء على الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، لم يكتفِ بنقل المشاهد الدرامية

بقلم: محمد خميس
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
20 مشاهدة
مسلسل صحاب الأرض

مسلسل صحاب الأرض

لم تكن الدراما المصرية يوماً مجرد وسيلة للترفيه، بل لطالما كانت الذراع الأقوى للقوة الناعمة العربية في توثيق القضايا المصيرية، وهو ما تجسد بوضوح في مسلسل "صحاب الأرض" الذي عرض مؤخراً ليفجر موجة عارمة من الجدل السياسي والإعلامي تجاوزت حدود الوطن العربي لتصل إلى عمق الكيان الصهيوني. 

المسلسل الذي يسلط الضوء على الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، لم يكتفِ بنقل المشاهد الدرامية، بل غاص في تفاصيل أوجاع حرب الإبادة، من قصف الأبراج السكنية إلى انتهاك حرمة المستشفيات واختطاف جثامين الشهداء، مما تسبب في حالة من "الهستيريا" الإعلامية داخل إسرائيل.

 لقد نجح العمل منذ حلقاته الأولى في إثبات أن الصورة الدرامية الصادقة قادرة على هزيمة أعتى الماكينات الإعلامية المضللة، حيث تحول "صحاب الأرض" من مجرد عمل فني إلى وثيقة إدانة تاريخية تجسد الانحياز الكامل للحق والعدالة والكرامة الإنسانية النازفة في قلب فلسطين.

غضب عبري 

توالت ردود الأفعال الغاضبة عبر وسائل الإعلام العبرية، حيث أفردت هيئة البث الإسرائيلية تقارير مطولة لمناقشة تداعيات المسلسل، متهمة صُنّاعه بتبني وجهة نظر "أحادية الجانب" وشيطنة قوات الاحتلال أمام الرأي العام العالمي. 

ولم يقتصر الهجوم على المحتوى الفني، بل اعتبرت أوساط سياسية إسرائيلية أن إنتاج الشركة المتحدة لهذا العمل وتوقيت عرضه يمثل "خطوة سياسية محسوبة" من القاهرة لتعزيز السردية الفلسطينية عالمياً، خاصة مع قرار ترجمة المسلسل للغة الإنجليزية تزامناً مع عرضه، وهو ما رأت فيه إسرائيل تهديداً مباشراً لجهودها في تجميل صورتها التي اهتزت بشدة أمام الضمير الإنساني العالمي نتيجة المجازر المتكررة في غزة.

وسط هذا الغضب الإسرائيلي، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي العربية بحالة من التشفي والاحتفاء بصمود الدراما المصرية وقدرتها على استفزاز المحتل، وكان لمشهد "كلاكس" الفنان عصام السقا في الحلقة الخامسة نصيب الأسد من التفاعل. 

المشهد الذي يجسد اعتراض المستوطنين لقوافل الإغاثة المصرية المتوجهة لقطاع غزة، ورد الفعل الساخر والمبني على ثبات وتحدٍ من الشخصية التي يجسدها السقا، تحول إلى "أيقونة" تداولها النشطاء تحت شعار "صياحهم طرب". 

وعلق آلاف المتابعين على الفيديو الذي يظهر غضب الإسرائيليين من المسلسل بعبارات تشيد بعبقرية الإخراج واللوجستيات التي استخدمها المخرج بيتر ميمي، مؤكدين أن الرسالة وصلت بوضوح للاحتلال، وأن الفن المصري استطاع أن يحرق أعصاب المدافعين عن الرواية الصهيونية بلمسات درامية بسيطة لكنها عميقة الدلالة، تعكس نبض الشارع المصري والعربي الرافض لسياسات التجويع والحصار.

الأبعاد الإنسانية في "صحاب الأرض"

بعيداً عن الصراع السياسي، نجح "صحاب الأرض" في تقديم قصة إنسانية شديدة العذوبة والألم في آن واحد، من خلال شخصية الطبيبة المصرية "سلمى شوقي" التي تجسدها منة شلبي، والتي تترك حياتها المستقرة لتلتحق بقافلة إغاثة طبية داخل قطاع غزة. 

هناك، تتقاطع أقدارها مع شخصية "إياد نصار"، الرجل الفلسطيني الذي فقد عائلته ويصارع بين ركام الأبنية لإنقاذ ما تبقى من أهله، لتنشأ بينهما قصة حب مستحيلة وسط أهوال القصف والدمار. 

هذا الخط الدرامي لم يكن مجرد إضافة رومانسية، بل كان وسيلة ذكية لتقديم "الشاهد القادم من الخارج" عبر عيون الطبيبة المصرية، مما منح العمل مصداقية تلامس وجدان المشاهد غير العربي.

 إن أداء إياد نصار ومنة شلبي، وتناغمهما مع فريق العمل الذي ضم وجوهاً عربية بارزة مثل كامل الباشا وآدم بكري، جعل من المسلسل ملحمة تراجيدية توثق حقبة سوداء من تاريخ البشرية، حيث يتحدى الحب لوعة الفقد ويصمد الحق في وجه آلات القتل.

القوة الناعمة والترجمة الإنجليزية.. مخاطبة الضمير العالمي

أدرك صُنّاع مسلسل "صحاب الأرض" أن المعركة اليوم هي معركة "وعي وصورة"، ولذلك جاءت خطوة ترجمة العمل للغة الإنجليزية وبثه عبر المنصات الرقمية كضربة استراتيجية استهدفت تغيير نظرة الرأي العام الغربي للأحداث في غزة.

 إن عرض العمل مترجماً سمح للمشاهد الأجنبي برؤية التفاصيل التي قد تغفلها القنوات الإخبارية الغربية المنحازة، مثل معاناة الأطباء داخل المستشفيات المهددة بالقصف، وقصص العائلات التي فقدت هويتها تحت الأنقاض. 

هذا التوجه نحو العالمية هو ما يفسر رعب الإعلام الإسرائيلي من المسلسل، حيث أن الدراما تمتلك قدرة على النفاذ إلى العواطف والخيال بشكل أسرع وأبقى من التقارير السياسية الجافة. وبذلك، استطاعت الدراما المصرية أن تقدم "سردية بديلة" مدعومة بجودة إنتاجية عالية ولوجستيات عسكرية وفنية دقيقة، مما جعل "صحاب الأرض" يتجاوز كونه عملاً موسمياً ليصبح مشروعاً وطنياً بامتياز يدافع عن قضية العرب الأولى.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال