بين قول الحكيم وواقع القوة، "لا توجد قوة دائمة إلا بقدر ما تعيد ابتكار نفسها"، هكذا لخصجيه إف كينيدي، المقولة فالأنظمة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على الهيمنة، بل بمرونتها في مواجهة التحولات وعالم الغاب، فآسيا اليوم تقف عند مفترق طريق استراتيجي، حيث تتكشف معالم ما بعد الهيمنة الأميركية، فتختلط فيها الفُرص بالتحديات منذ نهاية الحرب الباردة، وتظهر فيها قوة صاعدة تشكّل تحدياً متزايداً في السياسة الدولية.
التي رسختها أميركا بوجودها كقوة عظمى مُهيمنة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من خلال شبكة من التحالفات الأمنية والوجود العسكري في ممرات استراتيجية حيوية، لاسيما الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، وأعادت توازن القوى التقليدي ضد أي تهديدات من خصوم مثل الصين وكوريا الشمالية، لكن اليوم، وبعد عقود من التحولات الجيوسياسية-الاقتصادية والتكنولوجية، ثمة سؤال جوهري يُطرح: هل نجحت الولايات المتحدة في الاستمرار كقوة مركزية في آسيا؟… أم أن الصين قد خطت خطوات جذرية نحو الهيمنة المتصاعدة؟.
أولا: يعود الفشل الاستراتيجي الأميركية في آسيا، إلى تراجع النفوذ الأميركي في عشرية مضطربة امتدت من 2020 إلى 2026، واجهت فيها عدة أوجه تراجع في النفوذ العسكري والاقتصادي وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)حيثُ بلغ الإنفاق العسكري العالمي في آسيا والمحيط الهادئ حوالي 629 مليار دولار في 2024 (+6.3% عن 2023). كان نصيب الصين منها أكثر من 50% من إجمالي الإنفاق العسكري في المنطقة، بميزانية بلغت 314 مليار دولار، مع زيادة سنوية مستمرة على مدار 30 سنة، إضافة لأن هذه الميزانية الدفاعية الإقليمية (2025)، قدرتها (المصادر) بنحو 632.2 مليار دولار، منها انفاق الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة مجتمعين نحو 211 مليار دولار فقط، أي أقل من ثلث الإنفاق الإجمالي في آسيا، بينما الصين وحدها تنفق ما يقارب 291.8 مليار دولار، أي نحو %46 من إجمالي النفقات. وتُظهر هذه الأرقام أن القوة العسكرية الأميركية في المنطقة لم تنمُ بوتيرة كافية للحفاظ على تفوقها طويل الأمد، بينما الصين وسّعت قوتها بصورة مطّردة.
ثانياً: رغم أن التحالفات الأميركية التقليدية (اليابان، كوريا الجنوبية، أستراليا، الفلبين)، لا تزال تشكّل أساساً لوجود واشنطن في آسيا، إلا أن هذه العلاقات تواجه ضغوطاً متنامية بسبب رغبة بعض الدول في تقليل الاعتماد الأمني على (ماما أميركا)، لتراجع مصداقيتها في الرؤى الاستراتيجية والموارد الالتزامية، كذلك تقارب بعض هذه الدول سياسياً واقتصادياً تجاه الصين أو بزيادة الاستقلال الاستراتيجي، بما يخفض من التبعيات التقليدية على واشنطن، بل وأن بعض هذه التحالفات مثل Quad تواجه أزمة شرعية منذ 2025 بسبب مواقف الهند المتغيرة وعدم انعقاد اجتماعات القمة المقررة، مما يعكس هشاشة التماسك الأميركي في الشبكات الإقليمية، وسيكون الدور على المنطقة الخليجية الواعية لتداعيات التراجع الأمريكي.
ثالثاً: على الرغم من تركيز واشنطن في الماضي على دعم الازدهار والحوكمة الرشيدة كركيزتين أساسيتين لاستراتيجيتها، إلا أن تلك الركائز لم تنل حقها من الموارد والأولويات مقارنة بالتركيز العسكري، مما يعني أن هناك فجوة في الاستراتيجية الأميركية، ما أضعف موقف الولايات المتحدة في المنافسة الاقتصادية والثقافية.
رابعًا: ما لا تصبو إليه الصين رغم تفوقها العسكري والاقتصادي المتنامي، فهي لا تسعى بوضوح إلى تصدير نموذج حُكم شامل منافس للنظام الليبرالي الغربي، رغم (شيوعيتها)، بل غالباً ما تتجنب الضغط الأيديولوجي وتفضّل إجراء شراكات اقتصادية مع تقديم "فوائد عملية" بدل محاولة فرض نماذج نظام سياسي معين. كما أنها لا تسعى لمنافسة الولايات المتحدة مباشرة على القوة الناعمة العالمية مثل التعليم والثقافة والسياسات القيمية، وهو ما يظهر أن بكين تحافظ على تركيزها في الاقتصاد والبُنى التحتية وليس في الهيمنة الفكرية. وأخيراً: تكتفي الصين بإقامة علاقات تجارية واستثمارية قوية بدون السعي لهيمنات أيديولوجية مباشرة، دون التورّط في دعم الحركات السياسية المضادة للدول ذاتها.
خامسًا: تبرز الصين اليوم كقوة فاعلة في الحرب السيبرانية، على الرغم من التوترات المعلوماتية مع الولايات المتحدة تصعيدًا متزايدًا مع عقوبات تكنولوجية أمريكية على صادرات الصين من الشرائح والرقاقات، فيما ترد بكين بإجراءات مضادة لحماية مصالحها الرقمية والتكنولوجية، حيثُ تستثمر في القدرات الرقابية والأمنية الإلكترونية لنشر استراتيجيات دفاعية وهجومية، وتعزيز حماية بنيتها الرقمية الوطنية. هذه الحرب الرقمية ليست مجرد مواجهة تقنية، بل ساحة استراتيجية تحاول الصين عبرها ردع الضغوط الأميركية في التكنولوجيا المتقدمة.
سادسًا: جاهزية الجيش الصيني للحرب إذ استثمرت بشكل كبير في تطوير أسطولها البحري والجوي، فقد اطلقت حاملة الطائرات الحديثة فوجيان بقدرات متقدمة، ما يعزز قدرتها على التواجد في المحيط الهادئ، مع تطوير قدرات ما وراء النطاق الإقليمي مما يُظهر سرعات إنتاج المنصات العسكرية مثل الغواصات النووية، التي جاوزت الولايات المتحدة في وتيرة إنتاجها الحديثة، مما يعني تغيير في التوازن البحري الدولي، على الرغم من أن الصين لا تنفق عسكرياً كالولايات المتحدة على مدار التاريخي، إلا أن تركيزها الإقليمي وجهود التحديث جعلتها الجيش الأكثر قدرةً على تنفيذ عمليات عابرة للمحيط.
سابعًا: الردع العسكري هو خيار الاستراتيجية الأميركية المتبقية، فتقوم بزيادة التعاون العسكري مع الفلبين من خلال نشر أنظمة صاروخية متقدمة، وذلك في إطار جهود الردع ضد الصين في بحر الصين الجنوبي، مع الالتزام الدفاعي مع تايوان وهو ما يعكس تركيزًا أميركياً استراتيجياً على مضمون الردع في مواجهة أي تحرك صيني واسع النطاق تجاه الجزيرة، ليبقى القلق الأميركي من سلوك الصين "خطيرًا"، وهو ما تبرزه الأرقام التالية:
ثامنًا: الإنهاك الإمبراطوري الأميركي وفق الأرقام والتي كشفتها المؤشرات الرقمية الممتدة من عام 1990 إلى 2026 عن تحوّل بنيوي في الولايات المتحدة، التي تمتعت بفارق اقتصادي يناهز 16 ضعفاً عن الصين بمطلع التسعينيات، هي اليوم أمام مُنافس، حيثُ قلّص الفجوة إلى أقل من النصف، بل تجاوزه فعلياً، وفق تعادل القوة الشرائية.. بينما ارتفع الدين الفيدرالي الأميركي إلى مستويات قياسية تجاوزت 120% من الناتج، فيما تواصل واشنطن إنفاق ما يقارب 900 مليار دولار سنوياً على شبكة التزامات عسكرية عالمية تمتد عبر القارات، وهو عبء يُدار في ظل اقتصاد ينمو بمعدل أبطأ بكثير من خصمه، وفي ظل انتقال مركز الصناعة العالمي إلى الصين التي تهيمن على نحو 30% من الإنتاج الصناعي الدولي. إنها معادلة دقيقة: قوة عسكرية فائقة، مقابل قاعدة اقتصادية لم تعد تتسع بالقدر الكافي لدعم طموحات الهيمنة طويلة الأمد.
وقفة تحليلية: هُناك مثل صيني قديم يقول: "القوة وحدها لا تُصنع عالمًا، بل يُصنع العالم ممن يفهمون قوتهم، ويستخدمونها بحكمة". فالإمبراطوريات لا تنهار فجأة؛ بل تُستنزف تدريجياً عبر فجوة تتسع بين الموارد والالتزامات، والمؤشرات الرقمية الحالية تشير إلى أن واشنطن لم تعد تتمتع بالمساحة المالية المريحة التي كانت تسمح لها بتمويل الردع العالمي دون تكلفة داخلية متصاعدة، معتمدة اليوم على مقادير الخليج العربي متناسين أنهم قوة لا يُستهان بها لا يهُمهم الأموال بل يهُمهم التوازن والتنمية المستقبلية دون المساس بكرامتهم لاسيما السعودية الرادعة في أقوالها وأفعالها. والسؤال ليس فقط من يحافظ على وضعه في آسيا… بل من يعيد تعريف النظام الدولي: هل هي القوة القائمة؟، أم القوة التي تعرف كيف تتحول وتتكيف؟، في هذا العصر ما بعد أميركا، ورغم أن الشرق الأوسط ساحة الحرب الكبرى إلا أن أسيا لا تزال ساحة تنافس حاد، لكنها أيضًا فرصة لإعادة تصور العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.. لنفهم نحن العرب دورنا الرائد ومكانتنا التي يجب أن تكون رادعة بقوة الساعد العربي الموحد.









