دخلت العلاقات بين باكستان وأفغانستان مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العسكري، بعد أن شنت إسلام آباد ضربات جوية على مواقع متفرقة داخل الأراضي الأفغانية، بما في ذلك العاصمة كابول، مؤكدة أنها دمرت أهدافًا رئيسية تابعة لحركة طالبان، وجاءت هذه العمليات ردًا على قصف أفغاني استهدف مواقع عسكرية في شرق وجنوب باكستان، في مشهد يعكس انزلاق البلدين نحو مواجهة مفتوحة على طول الحدود المشتركة.
وأعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن بلاده باتت في “حرب مفتوحة” مع أفغانستان، في تصريح يعكس مستوى التوتر غير المسبوق بين الجارتين النوويتين في جنوب آسيا.
إعلان “الحرب المفتوحة”
قال آصف إن صبر إسلام آباد نفد مع تصاعد المواجهات خلال الليل، مشيرًا إلى أن الجانبين أعلنا عن خسائر فادحة. وأضاف بلهجة حاسمة أن ما يجري لم يعد مجرد اشتباكات حدودية، بل حرب مفتوحة بين الطرفين.
وتشير هذه التصريحات إلى تحول خطير في قواعد الاشتباك، حيث انتقل الصراع من عمليات محدودة إلى عمليات جوية واسعة وتصريحات سياسية تصعيدية قد تفتح الباب أمام نزاع إقليمي أوسع.
نشرت وكالة "رويترز" مقاطع قالت إنها توثق غارات شنها الجيش الباكستاني على العاصمة الأفغانية كابول، مساء الخميس.
— Asharq News الشرق للأخبار (@AsharqNews) February 27, 2026
وذكرت وزارة الإعلام والبث الباكستانية في منشور على فيسبوك، الخميس، أنها ضربت أهدافاً في مواقع متعددة بأفغانستان.
من جهتها، أعلنت حكومة أفغانستان، الخميس، أنها شنت هجوما… pic.twitter.com/6ZBe9BLpV9
استهداف قندهار
لم تقتصر الضربات على كابول، بل شملت مدينة قندهار الجنوبية، التي يقيم فيها الزعيم الأعلى لطالبان هيبت الله أخوندزاداه، إضافة إلى إقليم باكتيا الحدودي. وأكد المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد وقوع الضربات في هذه المناطق.
وأفادت وسائل إعلام رسمية بأن طائرات سلاح الجو الباكستاني واصلت التحليق فوق قندهار بعد تنفيذ الهجمات، في رسالة ردع واضحة تفيد باستعداد باكستان لمواصلة العمليات إذا استمر التهديد.
كما نقلت شبكة PTV News عن مصادر أمنية أن القوات المسلحة الباكستانية في حالة جاهزية كاملة، وتمتلك القدرة على الرد المناسب على أي اعتداء.
دعوات دولية عاجلة لاحتواء التصعيد
أثار التصعيد قلقًا دوليًا واسعًا، إذ دعت روسيا إلى وقف الهجمات فورًا، وحثت الطرفين على حل خلافاتهما عبر الحوار، مؤكدة استعدادها للنظر في الوساطة إذا طلبت منها ذلك.
بدوره، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى ضبط النفس، مشددًا على ضرورة إدارة الخلافات ضمن إطار حسن الجوار، ومؤكدًا استعداد طهران لتقديم أي مساعدة لتسهيل الحوار وتعزيز التفاهم بين البلدين.
الهجوم الأفغاني الذي فجّر المواجهة
جاءت الضربات الباكستانية بعد ساعات من هجوم شنته القوات الأفغانية على مواقع حدودية داخل باكستان، وفق مسؤولين من الجانبين. ووُصفت تلك الهجمات الأفغانية بأنها رد على ضربات باكستانية سابقة نُفذت في وقت سابق من الأسبوع.
وأعلنت وزارة الدفاع الأفغانية أنها قصفت عدة مواقع عسكرية في شرق وجنوب شرق باكستان، مؤكدة أن عملياتها استهدفت مناطق قرب ولايات بكتيكا وباكتيا وخوست وننكرهار وكونار ونورستان، وأضافت أن مقاتليها تمكنوا من تدمير قاعدتين عسكريتين باكستانيتين و19 موقعًا على طول خط ديوراند، وهو الخط الحدودي المتنازع عليه بين البلدين، كما فر الجنود من أربعة مواقع أخرى.
وأكد البيان أن القوات الأفغانية استولت على عشرات الأسلحة والذخائر والإمدادات العسكرية، ودمرت دبابة واستولت على مركبة نقل عسكرية كبيرة.
Pakistan Army destroys Taliban brigade headquarters in Kandahar in retaliation for unprovoked Afghan Taliban aggression#AfghanTaliban #PakArmy #OperationGhazabLilHaqq #PakistanTV #PakistanTVGlobal pic.twitter.com/MJeOdXyCE4
— Pakistan TV (@PakTVGlobal) February 27, 2026
حدود ملتهبة ووقف إطلاق نار هش
يمثل هذا التصعيد أحدث حلقة في سلسلة توترات متزايدة على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر، حيث تدهورت الأوضاع منذ الغارات الباكستانية التي نُفذت خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما يهدد بانهيار وقف إطلاق النار الهش الذي أُبرم بعد اشتباكات دامية في أكتوبر الماضي.
وتحمل هذه التطورات خطر تحول الاشتباكات الحدودية المتكررة إلى صراع طويل الأمد، خاصة في ظل عدم وجود آلية فعالة لإدارة الأزمات بين الطرفين.
عملية “غضب للحق” ورد باكستان
أكدت الحكومة الباكستانية أن قواتها تحركت بعد هجمات وصفتها بـ“غير المبررة” نفذها مقاتلو طالبان الأفغانية على طول الحدود. وأوضحت وزارة الإعلام أن تلك الهجمات قوبلت برد فوري وفعّال من الجيش.
وأشارت إلى أن العملية العسكرية، التي أُطلق عليها اسم “غضب للحق”، استمرت حتى الساعات الأولى من صباح الجمعة، بمشاركة سلاح الجو الذي استهدف مواقع أفغانية، من بينها مستودع ذخيرة في ولاية ننغرهار، ما أدى إلى أضرار كبيرة، كما أكدت مصادر أمنية باكستانية أن القوات المسلحة دمرت بالكامل عدة مواقع رئيسية تابعة لطالبان الأفغانية.
تتهم إسلام آباد كابول بالسماح لعناصر تصفهم بالإرهابيين، مرتبطين بحركة “طالبان باكستان” المحظورة وتنظيم “داعش–خراسان”، باستخدام الأراضي الأفغانية كملاذ آمن لشن هجمات داخل باكستان.
وفي إحاطتها الأسبوعية، أكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن الضربات استهدفت ما وصفته بملاذات الإرهابيين بهدف إحباط هجمات وشيكة داخل البلاد، مشددة على أنها اتخذت أقصى درجات الحذر لتجنب سقوط ضحايا مدنيين.
مواجهة مفتوحة أم ضغط تفاوضي؟
تعكس هذه التطورات تحول الصراع من مجرد توتر أمني إلى أزمة استراتيجية معقدة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المخاوف من تمدد الجماعات المسلحة، إضافة إلى النزاع التاريخي حول خط ديوراند.
ومع استمرار تبادل الضربات وتصاعد الخطاب السياسي، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق بين احتواء الأزمة عبر الوساطات الدولية أو الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة قد تزعزع استقرار جنوب آسيا بأكمله.










