في أدبيات إدارة الأزمات، هناك قاعدة ذهبية قديمة تقول: لا تُحاصر خصمك حتى يفقد كل مخارج النجاة، لأن من لا يجد مخرجًا يقاتل حتى النهاية.
هذه القاعدة ليست أخلاقية بقدر ما هي براغماتية، فالخصم المُحرَج لا يبحث عن تسوية، بل عن كسر المعادلة ولو على حساب الجميع، لكن في الصراعات الوجودية – حيث لا يكون الخلاف على حدود أو موارد، بل على تعريف الذات والبقاء – يبدو أن هذه القاعدة تتآكل.
في الحالة بين حركة حماس وإسرائيل، لم يعد الصراع يُدار على قاعدة “التصعيد المنضبط”، بل على قاعدة “إعادة تشكيل الواقع”.
إسرائيل ترى أن ترك حماس تحتفظ بقدر من القوة هو تهديد مؤجل.
وهنا يتحول الهدف من إدارة الصراع إلى إعادة هندسة الصراع، فتصبح فكرة “حفظ ماء وجه الخصم” ترفًا سياسيًا لا يحتمله الخطاب الداخلي.
لكن التاريخ الاستراتيجي يقول شيئًا مختلفًا: كل الحروب الكبرى التي أُغلقت أبوابها تمامًا انتهت إما بانهيار شامل، أو بحروب لاحقة أشد.
القاعدة لم تمت.. لكنها فقدت مكانتها في الخطاب العلني، لا أحد يريد أن يبدو وكأنه يمنح خصمه “سلّمًا للنزول”.
في الصراعات الوجودية، الإحراج ليس مجرد خسارة سياسية؛ إنه تهديد للشرعية الداخلية، ولرواية النصر، ولتماسك الجبهة، وهنا يتحول القرار إلى معادلة نفسية قبل أن يكون عسكرية.
المعضلة أن إلغاء المخرج لا يلغي الخصم، بل يدفعه إلى توسيع ساحة المعركة، أو نقلها إلى مستويات أخرى، وفي الحالة الفلسطينية – الإسرائيلية، كل محاولة لكسر الآخر بالكامل أثبتت أنها تُنتج دورة جديدة من الصراع، لا نهايته.
فهل ماتت القاعدة؟
ربما لم تمت، لكنها لم تعد تُدار علنًا، المخارج تُصاغ اليوم بلغة غامضة، عبر وسطاء، أو تحت عناوين إنسانية، لا تحت عنوان “التسوية”، وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل الهدف إنهاء الخصم، أم منع الانفجار الأكبر؟
في إدارة الأزمات، الحكمة ليست في القدرة على التصعيد، بل في القدرة على توفير مخرج لا يُذِلّ أحدًا.. ولا يُغرق القارب بالجميع.
.....
ضمن سلسلة: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني






