تتسارع وتيرة الإخلاءات الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط في مشهد يوحي بأن الصدام المباشر بين واشنطن وطهران قد تجاوز مرحلة التهديدات الكلامية.
ووفقا لتقارير صحفية غربية، فإن السفارة الأمريكية في بيروت كانت المبادرة باتخاذ خطوة دراماتيكية عبر إجلاء العشرات من موظفيها غير الأساسيين وعائلاتهم عبر مطار "رفيق الحريري" الدولي، وهو ما وصفته مصادر أمنية بأنه إجراء "احترازي رفيع المستوى" يعقب معلومات استخباراتية عن ضربة وشيكة.
هذا التحرك الأمريكي، الذي أكده مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية لصحيفة "ذا جارديان"، لا ينفصل عن استراتيجية الرئيس "ترامب" التصعيدية، حيث يهدف تقليص البصمة الدبلوماسية إلى حماية الكوادر البشرية من ردود فعل انتقامية محتملة قد تطال المصالح الأمريكية في المنطقة.
إن حالة التأهب في بيروت تعكس قناعة دولية بأن لبنان قد يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، خاصة مع استمرار السياسات العدوانية للكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً، والذي لم يتوقف عن ارتكاب المجازر منذ أكتوبر 2023، محاولاً استغلال الغطاء الأمريكي لتوسيع رقعة النار.
هروب "قيصر" من قلب العاصفة
وفي تطور لا يقل خطورة، أفادت تقارير أولية واردة من طهران اليوم الجمعة 27 فبراير 2026، ببدء عمليات إخلاء جزئي للسفارة الروسية، في خطوة تعكس حجم القلق لدى الحليف الأوثق لإيران. وبحسب ما نقلته وكالات أنباء دولية، فإن موسكو بدأت في سحب عائلات الدبلوماسيين وبعض الموظفين الإداريين، تزامناً مع تعليق الأنشطة القنصلية، خوفاً من تعرض العاصمة الإيرانية لضربات جوية أمريكية قد تستهدف منشآت حيوية أو مراكز صنع القرار.
إن إخلاء السفارة الروسية يحمل دلالة رمزية وعسكرية بالغة التعقيد؛ فموسكو التي توازن علاقاتها في المنطقة، لا تريد تعريض رعاياها لخطر مباشر في صراع قد ينفجر بين ساعة وأخرى. وتؤكد تقارير استخباراتية أن التحذيرات الروسية ترافقت مع نصائح لمواطنيها في المنطقة بمغادرة "إسرائيل" وإيران فوراً، مما يشير إلى أن التقدير الروسي للموقف يتطابق مع القراءات الغربية التي ترى أن طبول الحرب في مكتب "ترامب" البيضاوي قد وصلت إلى ذروتها، وأن الدبلوماسية فقدت فاعليتها أمام لغة القوة.
عواصم القارة العجوز تغادر
لم تكن أوروبا بعيدة عن هذا المشهد الجنائزي للدبلوماسية؛ فقد حذت بريطانيا وألمانيا حذو واشنطن في تقليص بعثاتها في بيروت وطهران، وسط تحذيرات شديدة اللهجة لرعاياها بضرورة الرحيل فورا.
ووفقا لتقرير نشرته "رويترز"، فإن الخارجية الألمانية أبلغت رعاياها بأن المطارات قد تُغلق في أي لحظة، وأن القدرة على تأمين رحلات إجلاء عسكرية ستكون مستحيلة بمجرد بدء العمليات القتالية، مما دفع المئات من الأوروبيين إلى التزاحم على الرحلات التجارية المتبقية.
هذا الهروب الجماعي للدبلوماسيين يعري الحقيقة المرة التي تحاول الأطراف الدولية مواراتها، وهي أن التدخلات الأجنبية في الشرق الأوسط لم تجلب سوى الدمار والنزوح.
وبينما تنشغل السفارات بتأمين موظفيها، يواجه المدنيون في لبنان وفلسطين مصيراً مجهولاً تحت وطأة آلة الحرب الصهيونية والأمريكية، في ظل صمت دولي مخزٍ تجاه المجازر المستمرة، مما يجعل من إخلاء السفارات اليوم بمثابة إعلان رسمي عن فشل النظام الدولي في كبح جماح العدوان وتفضيله خيار "الأرض المحروقة" على السلام العادل.









