أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية تقريراً إحصائياً جديداً يعكس الحجم المهول للمأساة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل، حيث أكدت الوزارة ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى بشكل مطرد خلال الساعات الأخيرة.
فوفقاً للبيانات الرسمية، وصل إلى مستشفيات القطاع 9 شهداء و19 إصابة خلال الـ 48 ساعة الماضية فقط، وهي أرقام تضاف إلى سجل دامٍ لا يتوقف عن النزيف منذ أشهر طويلة.
ورغم الحديث المتكرر عن تهدئة أو وقف لإطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار سقوط الضحايا، سواء بفعل استهدافات مباشرة أو نتيجة الإصابات الخطيرة التي لم تجد علاجاً كافياً في ظل تهالك البنية التحتية الطبية التي تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الأساسية والوقود اللازم لتشغيل غرف العمليات والعناية المركزة.
وتشير الوزارة في تقريرها إلى معضلة كبرى تواجه الطواقم الميدانية، وهي وجود عدد كبير من الضحايا الذين لا يزالون عالقين تحت ركام المنازل المدمرة وفي الطرقات الوعرة التي يصعب الوصول إليها نتيجة القصف المكثف أو الحصار المطبق.
إن هذه الأرقام المعلنة لا تمثل سوى الحالات التي استطاعت فرق الإسعاف الوصول إليها ونقلها إلى المراكز الطبية، بينما تُرجح المصادر الطبية والميدانية أن تكون الأعداد الفعلية للشهداء أكبر بكثير، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية من القطاع التي تعرضت لمسح جغرافي كامل وتدمير شامل للمباني السكنية فوق رؤوس ساكنيها، مما جعل من عمليات البحث والإنقاذ مهمة شبه مستحيلة في ظل نقص المعدات الثقيلة والآليات اللازمة لإزالة الأنقاض والوصول إلى المفقودين الذين انقطعت أخبارهم منذ بدء العدوان.
واقع المنظومة المنهارة
إن الحصيلة التراكمية التي أعلنت عنها وزارة الصحة منذ انطلاق شرارة العدوان في السابع من أكتوبر عام 2023، تعدت كافة التوقعات والخطوط الحمراء، حيث بلغت 72,095 شهيداً و171,784 إصابة حتى هذه اللحظة.
هذه الأرقام الضخمة تضع المنظومة الصحية في غزة أمام اختبار مستحيل، فهي تتعامل مع مئات الآلاف من الجرحى الذين يحتاج الكثير منهم إلى عمليات جراحية معقدة وتأهيل طويل الأمد، في وقت خرجت فيه معظم المستشفيات الكبرى عن الخدمة بسبب الاستهداف المباشر أو انقطاع الإمدادات الحيوية.
إن استمرار هذا الضغط الهائل على ما تبقى من مراكز صحية صغيرة ونقاط طبية ميدانية يهدد بانهيار كامل وشامل، مما يعني عجزاً تاماً عن تقديم الحد الأدنى من الإسعافات الأولية للمصابين، وهو ما يفسر ارتفاع أعداد الشهداء متأثرين بجراحهم التي كان يمكن علاجها في ظروف طبيعية.
وعلى صعيد متصل، كشفت المعطيات الإحصائية عن واقع مرير يعقب إعلانات وقف إطلاق النار المزعومة، حيث سُجل استشهاد 628 فلسطينياً وإصابة 1,686 آخرين منذ تاريخ الإعلان عن التهدئة، بالإضافة إلى تنفيذ 735 حالة انتشال لجثامين كانت مفقودة تحت الركام.
هذه الأرقام تعكس بوضوح أن التداعيات الإنسانية للعدوان لا تنتهي بمجرد صمت المدافع، بل إن الآثار المترتبة على الدمار الواسع واستخدام الأسلحة الفتاكة تستمر في حصد الأرواح. كما أن العجز الذي تعاني منه طواقم الدفاع المدني والإسعاف في الوصول إلى بعض المناطق يفاقم من حجم المأساة، حيث تتحول الطرقات التي سلكها النازحون أو المناطق التي تعرضت للقصف إلى مقابر مفتوحة يصعب التعامل معها تقنياً أو بشرياً في ظل استمرار المخاطر الأمنية والقيود التي يفرضها الاحتلال على حركة الفرق الإغاثية.
تحديات الإنقاذ الميداني
لا تقتصر المعاناة في قطاع غزة على سقوط الضحايا فقط، بل تمتد لتشمل الظروف القاسية التي تعمل فيها طواقم الإنقاذ، فالدفاع المدني الفلسطيني أطلق نداءات استغاثة متكررة بسبب ندرة الوقود اللازم لسيارات الإسعاف وجرافات إزالة الرديم.
إن تحول أحياء كاملة إلى جبال من الركام المتداخل جعل من جهود انتشال الجثامين عملية بطيئة ومعقدة تستنزف الوقت والجهد، وفي كثير من الأحيان يضطر الأهالي إلى استخدام أدوات بدائية أو حتى الحفر بأيديهم للوصول إلى ذويهم.
هذا الوضع الكارثي يؤدي إلى تحلل الجثامين تحت الأنقاض، مما ينذر بكوارث بيئية وانتشار للأوبئة والأمراض المعدية التي قد تفتك بمن نجا من القصف، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني المتردي أصلاً نتيجة سوء التغذية وتلوث المياه وانعدام الصرف الصحي في مخيمات النزوح المكتظة.










