تشير التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى انتقال الصراع من مرحلة الضربات المركزة إلى طور حرب إقليمية مفتوحة متعددة الساحات، وسط مؤشرات متزايدة على أن المواجهة لن تكون قصيرة أو قابلة للحسم السريع.
وبحسب قراءة ميدانية تستند إلى مجمل المعطيات العسكرية والتصريحات الرسمية والتقديرات الأمنية المتداولة، فإن العمليات الجارية تعكس محاولة إسرائيلية–أميركية لفرض معادلة حسم جوي سريع عبر استهداف مراكز القرار والقدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن مسار الأحداث حتى الآن يوحي بدخول الحرب في نمط الاستنزاف طويل الأمد.
دخول متدرّج لجبهات إضافية
رغم التساؤلات المتزايدة حول غياب اليمن والعراق وحزب الله عن الانخراط الكامل في المواجهة حتى الآن، تشير التقديرات إلى أن هذا الغياب ليس دليلاً على الحياد، بل يعكس إدارة تصعيد مرحلية تقوم على “النفس الطويل”، حيث يجري توزيع أدوار الجبهات ضمن خطة زمنية متدرجة تهدف إلى إنهاك الخصم بدل المواجهة الشاملة المبكرة.
وتخالف هذه القراءة التقديرات الإسرائيلية التي سارعت للحديث عن تراجع دور هذه الساحات، إذ تشير المؤشرات العملياتية إلى احتمال دخولها تباعًا وفق تطورات الميدان واتساع نطاق الحرب.
تفوق جوي مقابل معضلة الحسم
يمتلك التحالف الأميركي–الإسرائيلي تفوقًا واضحًا في القوة الجوية والتكنولوجيا والاستخبارات، وقد نجح في تنفيذ ضربات واسعة استهدفت بنى عسكرية ومنشآت حساسة داخل إيران. إلا أن هذا التفوق يواجه تحديًا استراتيجيًا يتمثل في صعوبة تحويل الإنجاز العسكري الجوي إلى نتيجة سياسية حاسمة، خاصة في ظل تقديرات إسرائيلية سابقة تؤكد أن إسقاط الأنظمة لا يتحقق بالقصف الجوي وحده.
في المقابل، تعتمد إيران مقاربة عسكرية مختلفة تقوم على تجنب المواجهة التقليدية المباشرة، والانتقال إلى حرب استنزاف تعتمد توسيع رقعة الاشتباك وتشتيت منظومات الدفاع الجوي واستهداف المصالح الاقتصادية والإقليمية للخصم.
الرد الإيراني: مرحلة أولى محسوبة
تشير طبيعة الردود الإيرانية حتى الآن إلى أنها ما تزال ضمن مرحلة تصعيد أولية، حيث استخدمت طهران الصواريخ والمسيرات بوتيرة محسوبة دون إدخال كامل ترسانتها الدقيقة أو القدرات الأكثر تدميرًا، ما يعزز تقديرات بأن مراحل تصعيد لاحقة قد تشهد ضربات أكثر تأثيرًا ودقة.
ويهدف هذا النمط إلى إنهاك الدفاعات الجوية وإطالة أمد المواجهة بدل تحقيق صدمة عسكرية فورية.
النفط… ساحة المواجهة غير المباشرة
تبدو الساعات الأربع والعشرون القادمة حاسمة ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا أيضًا. إذ تشير تقديرات إلى أن نجاح إيران في التأثير على أسواق الطاقة أو رفع أسعار النفط عبر تهديد الملاحة أو توسيع نطاق الاستهداف في الخليج قد ينقل الضغط إلى الداخل الأميركي.
ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في ظل تراجع التأييد الشعبي الأميركي للحرب، ما قد يضع الإدارة الأميركية أمام تحديات داخلية متزايدة إذا انعكست الحرب مباشرة على أسعار الطاقة ومعيشة المواطن الأميركي، خاصة أن الأسواق العالمية تتحكم بها آليات العرض والطلب لا القرارات السياسية.
الخليج ضمن معادلة الردع
الهجمات أو التهديدات التي طالت محيط الخليج تعكس محاولة إيرانية لإعادة رسم معادلة الردع الإقليمي، عبر إيصال رسالة مفادها أن أي حرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، وهو ما قد يدفع دول المنطقة إلى زيادة الضغوط السياسية لاحتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع.
خلاصة التقدير
تشير المعطيات الحالية إلى عدة اتجاهات رئيسية خلال المرحلة المقبلة:
الحرب الحالية تمثل جولة ضمن صراع طويل مرشح لموجات تصعيد متتالية.
فرص الحسم العسكري السريع لصالح الولايات المتحدة أو الاحتلال تبدو محدودة رغم التفوق العسكري.
إيران ستتكبد أضرارًا كبيرة لكنها لن تصل إلى مرحلة الانهيار أو فقدان القدرة القتالية.
اتساع الاستهداف نحو الخليج وأسواق الطاقة قد يشكل نقطة التحول الأبرز في مسار المواجهة.
في ضوء ذلك، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما تبقى احتمالات توسع الجبهات قائمة مع استمرار العمليات العسكرية دون أفق واضح لاحتواء التصعيد.










