شنت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، عدوانا عسكريا ضد إيران ضمن عملية أطلق عليها اسم «الغضب الملحمي» (Epic Fury)، في تصعيد دراماتيكي انتقل من المفاوضات الدبلوماسية إلى صراع مفتوح يهدف إلى تفكيك البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، وتدمير بحريتها، والسعي لتغيير النظام.
ويمثل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولًا حادًا عن خطابه السابق المناهض للحروب وتردده تجاه سياسات تغيير الأنظمة، إذ جاء مدفوعًا بزعمه تعنت إيران في الملف النووي وضغوط جيوسياسية أوسع.
وقد كشف هذا التحرك عن انقسامات سياسية عميقة داخل الولايات المتحدة، حيث دعم الجمهوريون العملية إلى حد كبير، بينما وصفها الديمقراطيون بأنها غير دستورية لغياب تفويض من الكونغرس، مطالبين بالتصويت الفوري على صلاحيات الحرب.
دوافع أمنية وسياسية
تشير التحليلات إلى أن القرار يجمع بين اعتبارات أمنية — مثل مواجهة الطموحات النووية الإيرانية وشبكاتها الإقليمية — ودوافع سياسية مرتبطة بالانتخابات النصفية وتوحيد القاعدة الشعبية، ورغم ذلك، تلوح مخاطر التصعيد وردود الفعل الداخلية في الأفق، خصوصًا مع استمرار الضربات وتزايد احتمالات اتساع نطاق الحرب.
وتبدو فرص الانسحاب الأميركي منخفضة في المدى القصير بسبب حجم القوات المنتشرة وأهداف تغيير النظام، لكنها قد ترتفع لاحقًا تحت ضغط الكونغرس أو المعارضة الشعبية أو في حال تقديم إيران تنازلات.
تحول موقف ترامب
يمثل تحول سياسة ترامب تجاه إيران انعطافة عميقة في توجهاته. فخلال حملته الانتخابية لعام 2024 وفتراته السابقة، قدم نفسه كزعيم انعزالي يرفع شعار «أميركا أولاً» وينتقد الحروب الطويلة في الشرق الأوسط ويُظهر تحفظًا تجاه تغيير النظام في إيران.
ورغم انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، فإنه تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مفضلًا سياسة «الضغط الأقصى» عبر العقوبات. وحتى مطلع 2026، ومع الاحتجاجات داخل إيران والمفاوضات النووية، أكد ترامب تفضيله للحلول الدبلوماسية مع إبقاء الباب مفتوحًا للتفاوض.
لكن هذا الموقف تغير جذريًا في أواخر فبراير، إذ وافق — بتأثير من مستشارين مثل ليندسي غراهام ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو — على إطلاق عملية «الغضب الملحمي»، وهي حملة جوية تستمر أسابيع تستهدف المواقع النووية ومنشآت الصواريخ وأصول النظام، مع تبني صريح لفكرة تغيير النظام بوصفها «أفضل ما يمكن أن يحدث».
أكبر حشد عسكري
ترافقت العملية مع أكبر انتشار عسكري أميركي في الشرق الأوسط منذ عام 2003، شمل مجموعات حاملات طائرات ومقاتلات متقدمة.
ومن بين العوامل التي دفعت إلى هذا التحول رفض إيران مطالب واشنطن بوقف التخصيب بالكامل، إلى جانب أنشطتها عبر حلفائها الإقليميين وسياساتها الداخلية القمعية، وهي عناصر اعتبرها ترامب تهديدًا للأمن الأميركي والاستقرار الإقليمي.
غير أن منتقدين يرون أن هذا القرار يتناقض مع رفض قاعدة ترامب الانتخابية لحروب جديدة، ما قد يؤدي إلى نفور التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري.
انقسام سياسي حاد
أثارت الضربات انقسامًا حزبيًا حادًا داخل الولايات المتحدة. فقد اصطف الجمهوريون، بمن فيهم قيادات مجلس الشيوخ، خلف ترامب معتبرين العملية ضرورية لردع «خصم خطير»، ومشيدين بها باعتبارها مواجهة للأنظمة الاستبدادية.
وحذر شخصيات بارزة مثل غراهام من أن وقف جهود تغيير النظام سيكون «أكبر خطأ»، متماشين مع التيار المتشدد الذي يرى في قدرات إيران النووية والصاروخية تهديدًا وجوديًا.
في المقابل، أدان الديمقراطيون العملية بوصفها «غير قانونية ومتهورة»، معتبرين أنها تنتهك صلاحية الكونغرس الحصرية في إعلان الحرب، وطالبوا بالتصويت الفوري لتقييد أي تصعيد إضافي.
انقسام داخل الحزبين
لا يقتصر الانقسام على خط حزبي واضح، إذ يدعم بعض الديمقراطيين ضربات محدودة لاحتواء البرنامج النووي، بينما يشكك جمهوريون انعزاليون في جدوى الحرب وتكاليفها، خاصة في ظل اقتراب الانتخابات النصفية، وتظهر استطلاعات الرأي انقسامًا شعبيًا واضحًا، إذ لا يؤيد بدء الهجمات سوى نحو ربع الأميركيين، ما يزيد المخاطر السياسية على الإدارة.
ومن المتوقع أن يشهد الكونغرس نقاشات محتدمة في الأيام المقبلة، ما يضع مبدأ الفصل بين السلطات تحت اختبار حقيقي.
قرار أمني أم انتخابي؟
يبدو القرار مزيجًا بين الدوافع الأمنية والحسابات السياسية. فمن الناحية الأمنية، تستهدف الضربات برنامج التخصيب النووي الإيراني، إضافة إلى الصواريخ الباليستية وشبكات الحلفاء الإقليميين.
وتتوافق أهداف العملية — القضاء على البرامج العسكرية والسعي لتغيير النظام — مع أولويات استراتيجية طويلة الأمد لكل من واشنطن وتل أبيب، مدعومة بضغوط من دول خليجية. كما أن إحباط ترامب من فشل المفاوضات وتمسك إيران بخطوطها الحمراء، خصوصًا حق التخصيب، جعل العدوان العسكري يبدو في نظره الخيار الرادع الوحيد.
حسابات انتخابية
سياسيًا، يثير توقيت العملية قبيل الانتخابات النصفية تساؤلات حول دوافعها. فقاعدة ترامب تؤيد سياسة خارجية قوية لكنها ترفض الحروب الطويلة، ما يجعل تحقيق «نصر سريع» وسيلة محتملة لتعزيز الدعم الشعبي.
ويرى منتقدون أن العملية قد تكون محاولة لصرف الانتباه عن القضايا الداخلية، مع مخاطر كبيرة إذا ارتفعت الخسائر أو خرجت الحرب عن السيطرة.
ورغم عدم نشر قوات برية، فإن خطاب تغيير النظام قد يجر الولايات المتحدة إلى التزام طويل الأمد يصعب الخروج منه.
احتمالات الانسحاب
تظل فرص الانسحاب الأميركي محدودة لكنها ممكنة في ظروف معينة. ففي المدى القصير يبدو الانسحاب غير مرجح بسبب حجم القوات المنتشرة وأهداف العملية، خاصة مع تعهد ترامب بقصف «دقيق وكثيف».
أما على المدى المتوسط، فقد يؤدي تدخل الكونغرس عبر قرارات صلاحيات الحرب، أو تصاعد المعارضة الشعبية، أو تقديم إيران تنازلات كبيرة، إلى تقليص العمليات تدريجيًا.
كما أن تصاعد الرد الإيراني — عبر الصواريخ أو الحلفاء — قد يفرض إعادة تقييم شاملة إذا بدا أن الصراع يتجه إلى حرب أوسع.
قرار ضرب إيران
يعكس قرار ضرب إيران تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في سياسة ترامب الخارجية، لكنه عمّق الانقسامات الداخلية وأثار تساؤلات دستورية وسياسية.
ورغم أن الاعتبارات الأمنية تُستخدم لتبرير العملية، فإن البعد السياسي والانتخابي يظل حاضرًا بقوة في توقيتها وحجمها.
ومع استمرار العمليات، فإن مسار الصراع — سواء نحو التصعيد أو الاحتواء — سيحدد شكل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وسيؤثر بشكل مباشر على انتخابات 2026 والاستقرار العالمي.










