4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إيران بعد الزلزال: هل تكسر الضربات الأمريكية قبضة النظام أم تمنحه فرصة للبقاء؟

الإعلان الرسمي الذي صدر ليلة الأحد من طهران، مؤكداً وفاة المرشد الأعلى لـ إيران، علي خامنئي، لا يمثل مجرد حدث شخصي في قمة هرم السلطة

بقلم: أخبار ومتابعات
٢ مارس ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
11 مشاهدة
الضربات الامريكية

الضربات الامريكية

الإعلان الرسمي الذي صدر ليلة الأحد من طهران، مؤكداً وفاة المرشد الأعلى لـ إيران، علي خامنئي، لا يمثل مجرد حدث شخصي في قمة هرم السلطة، بل يفتح أمام النظام الإيراني مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الحسابات الدستورية مع موازين القوة العسكرية والسياسية. ورغم أن الهجوم المشترك الذي شنّته إسرائيل وأمريكا جاء في ذروة هذا التحول، فإن الضربات العسكرية، مهما بلغت شدتها، لا تجيب عن السؤال الجوهري المتعلق بمستقبل النظام نفسه.

فحتى الآن، لم يتضح على نحو قاطع ما الذي يسعى إليه الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب من وراء هذه المواجهة. هل الهدف إرغام القيادة الإيرانية على الاعتراف بالهزيمة والقبول الكامل بشروط واشنطن وتل أبيب، أم أن المقصود هو تفكيك بنية النظام تمهيداً لإقامة سلطة جديدة تقطع مع مرحلة الثورة الإسلامية؟ الفارق بين الاحتمالين ليس تكتيكياً، بل وجودي، إذ يحدد طبيعة الحرب وحدودها ومآلاتها الإقليمية.

خيار الاستمرار

ووفقا لمقال تسفي برئيل بصحيفة هآرتس إذا كان المقصود هو إخضاع النظام لا إسقاطه، فإن القيادة الإيرانية قد تجد في وفاة المرشد فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي بسرعة، عبر تعيين خلف جديد يحفظ استمرارية المؤسسة ويمنحها هامشاً للتفاوض. في هذا السيناريو، قد تختار طهران ما يشبه “اتفاق استسلام” منضبطاً مع أمريكا، يضمن بقاءها في الحكم مقابل تنازلات ثقيلة، لكنه يحول دون انهيار شامل.

بحسب تقارير إيرانية، كان خامنئي قد استعد لاحتمال غيابه في حزيران الماضي، عقب حرب الأيام الاثني عشر، فعيّن لجنة من ثلاثة مسؤولين كبار لتقديم توصية بشأن خليفته في حال وفاته أو اغتياله. غير أن هوية مرشحه المفضل لم تُكشف. من بين الأسماء التي طُرحت ابنه مجتبى، رغم افتقاره إلى المكانة الدينية الرفيعة، كما سبق أن دار الحديث عن الرئيس السابق إبراهيم رئيسي الذي قُتل في حادث تحطم مروحية. وفي الآونة الأخيرة، ترددت أسماء مثل حسن روحاني، الذي يحمل رتبة دينية متقدمة، وصادق لاريجاني، رئيس السلطة القضائية، وشقيق علي لاريجاني، الذي بات من أبرز مراكز الثقل السياسي بعد خامنئي.

صراع على الخلافة

دستورياً، تعود صلاحية اختيار المرشد إلى مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة منتخبة تضم 88 عضواً، يرى عدد منهم أنفسهم مؤهلين لتولي المنصب. إلا أن النص الدستوري لا يعكس بالضرورة موازين القوى الفعلية، إذ من المتوقع أن تتحول عملية الاختيار إلى ساحة صراع بين المحافظين والمتشددين، وبين هؤلاء جميعاً وبين الحرس الثوري الذي سيحرص على ضمان تعيين مرشد يتوافق مع مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية.

نتيجة هذا الصراع لن تحدد فقط اسم القائد المقبل، بل ستحدد اتجاه النظام في الحرب الجارية. فإذا أفضت المداولات إلى شخصية براغماتية تميل إلى احتواء الأزمة، فقد يُفتح الباب أمام تسوية، أما إذا انتصر التيار الأكثر تشدداً، فقد يُترجم ذلك إلى تصعيد واسع يضع المنطقة أمام مواجهة ممتدة.

حسابات واشنطن

حتى عشية الهجوم، بدا – على الأقل في العلن – أن ترامب يسعى إلى اتفاق مع القيادة الحالية يتركز حول وقف كامل لتخصيب اليورانيوم داخل إيران، وإخضاع المنشآت لرقابة صارمة تضمن أنها “لن تسعى مطلقاً” إلى تطوير سلاح نووي. غير أن جولتي المحادثات السابقتين لم تؤسسا، وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية، لقاعدة صلبة تتيح التفاؤل بإمكان تحقيق اختراق سريع في جولة ثالثة كانت مقررة في جنيف.

ورغم النبرة المتفائلة التي عبّر عنها وزير الخارجية عباس عراقجي، فإن طهران لم تُبد استعداداً لتقديم تنازلات إضافية كفيلة بمنع التصعيد. وهنا يتكرر درس تاريخي من تجارب أمريكا السابقة، إذ إن استعراض القوة، كما حدث في حروبها ضد فنزويلا أو العراق أو أفغانستان، لم يكن وحده كافياً لإقناع أنظمة راسخة بتغيير سلوكها ما لم يقترن بضمانات واضحة حول حدود المواجهة.

رسائل إيرانية محسوبة

في ردها الأولي، وسّعت إيران دائرة ضرباتها إلى ما هو أبعد من إسرائيل، فأطلقت صواريخ باتجاه البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية، لكنها، بحسب المعطيات، استهدفت قواعد ومنشآت تخدم نشاطاً عسكرياً أمريكياً، من دون توجيه ضربات مباشرة إلى أهداف مدنية أو منشآت نفط وغاز أو بنى تحتية حيوية. كما لم تتحرك لتعطيل الملاحة في الخليج الفارسي، وظلت التقارير بشأن إغلاق مضيق هرمز في نطاق غير المؤكد.

هذه الرسائل المحسوبة تعكس محاولة لفرض مستوى معين من الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. كذلك لم تطلب طهران من حلفائها في العراق ولبنان واليمن فتح جبهات إضافية، ما يوحي بأن قرار التصعيد الشامل لم يُتخذ بعد، وأن هامش المناورة الدبلوماسية لم يُغلق بالكامل.

معضلة الحرب الطويلة

قرار الذهاب إلى مواجهة شاملة ليس خالياً من المخاطر بالنسبة إلى إيران، فإلى جانب الفجوة في القدرات العسكرية مقارنة بأمريكا وإسرائيل، فإن دوائر صنع القرار ليست كتلة واحدة. الجيش والحرس الثوري والباسيج والشرطة يخضعون نظرياً للمرشد، لكنهم يملكون أيضاً إمبراطوريات اقتصادية ضخمة تعيل ملايين الأشخاص، وفي أوقات الأزمات قد تتباين الحسابات بين الحفاظ على النظام وحماية المصالح الخاصة.

اغتيال قادة كبار، مثل علي شمخاني، لا يؤدي تلقائياً إلى انهيار المؤسسات. فالبرنامج النووي استمر رغم اغتيال علماء بارزين، والحرس الثوري واصل عمله بعد مقتل قائده حسين سلامي، كما لم يتوقف الجيش بعد مقتل محمد باقري. ومع ذلك، فإن تجربة اغتيال قاسم سليماني في 2020 أظهرت أن “لكل شخص بديلاً” ليست قاعدة مطلقة، إذ بدا خلفه إسماعيل قاآني أقل تأثيراً وحضوراً.

تشير تقارير إلى أن خامنئي كان قد أمر بتعيين بدلاء تحسباً لاستهداف متسلسل، وأن الوحدات العسكرية ووكلاء إيران الإقليميين لديهم تعليمات بالعمل المستقل عند انقطاع الاتصال بطهران. بهذا المعنى، يمكن للنظام أن يحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، تفرض على واشنطن وتل أبيب معضلة التكلفة: هل يستحق إسقاط النظام ثمناً إقليمياً ممتداً، أم أن الاكتفاء بإضعافه يكفي؟

رهانات الداخل

حرب طويلة قد تفتح الباب أمام تجدد الاحتجاجات الداخلية، لكن النظام لا يزال يمتلك أدوات قمع واسعة. وحتى إذا توقف القصف، فسيبقى قادراً على استخدام القوة لمنع أي انتفاضة، ما يجعل “الفرصة التاريخية” التي يعرضها ترامب على المحتجين محفوفة بمخاطر التحول إلى مجزرة داخلية.

في المقابل، قد تؤدي الإصابات المدنية الناجمة عن الضربات إلى تعزيز خطاب السلطة القائل إن الحرب تستهدف الشعب الإيراني لا النظام، وإن التضامن الوطني هو الرد الوحيد على “مؤامرات الإمبريالية الغربية”. مثل هذا الخطاب، إذا وجد صداه، قد يمنح النظام وقتاً إضافياً لترميم صفوفه.

في ظل غياب بديل قيادي واضح قادر على تنفيذ الأهداف العسكرية والسياسية التي أعلنتها واشنطن، قد يكتفي ترامب بإنجازات عسكرية قابلة للقياس، مثل تقليص منظومات الصواريخ الباليستية أو استكمال “التدمير الكامل” للمنشآت النووية. غير أن مثل هذه الإنجازات، مهما بدت حاسمة، تظل غير كافية بذاتها لإسقاط نظام أثبت عبر العقود قدرة على التكيف والبقاء، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

إيران بعد الزلزال: هل تكسر الضربات الأمريكية قبضة النظام أم تمنحه فرصة للبقاء؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°