في لحظةٍ إقليمية تتصاعد فيها التوترات العسكرية وتتعاظم المخاطر الجيوسياسية، تقف الأسواق العالمية أمام اختبارٍ بالغ الحساسية، لا سيما مع تصاعد الحديث عن احتمالات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الذي يعبر من خلاله نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم.
فالمعادلة لم تعد مقتصرة على تقلبات سعرية عابرة، بل باتت تمسّ بنية النظام التجاري الدولي، واستقرار سلاسل الإمداد، وتوازنات الموازنات العامة في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل خريطة التجارة الدولية في ظل اضطراب ممرات الطاقة والنقل البحري، وحول ما إذا كان العالم يتجه فعليًا نحو تسريع سياسات التنويع والتوطين الصناعي لتقليص التعرض للمخاطر.
كما تتقدم إلى الواجهة قضية الضغط الذي تفرضه الحرب على اقتصادات الخليج، بين ارتفاع الإيرادات النفطية من جهة، وتزايد أعباء الإنفاق والمخاطر الاستثمارية من جهة أخرى، في معادلة دقيقة تتطلب توازنًا بين الاستقرار المالي المحلي ودور هذه الدول في حماية استقرار أسواق الطاقة العالمية.
في هذا الإطار، يقدّم الدكتور سمير مصطفى أبو مدللة، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، قراءة تحليلية خاصة لموقع 180 تحقيقات، يسلّط فيها الضوء على السيناريوهات المحتملة، وأدوات احتواء الصدمات، والتحولات البنيوية التي قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد الاضطراب.
وإليكم نص الحوار:
يشكّل ترقّب إغلاق مضيق هرمز أحد أخطر العوامل المحرّكة لتقلبات أسواق الطاقة عالميًا، نظرًا لمرور نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا عبر هذا الشريان الحيوي، وفي ظل هذا الاحتمال، تبدو السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لأسعار النفط مرتبطة بدرجة الاضطراب ومدة استمراره، فضلًا عن سرعة الاستجابة الدولية لاحتواء الصدمة.
في ظل ترقّب أسواق النفط لاحتمال إغلاق المضيق، ما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لتقلبات الأسعار، وكيف يمكن للدول المنتجة والمستهلكة احتواء الصدمات قصيرة الأجل دون الإضرار باستقرار السوق على المدى البعيد؟
في حال حدوث إغلاق جزئي أو اضطراب محدود في الملاحة عبر مضيق هرمز، من المرجّح أن تشهد الأسعار قفزة فورية مدفوعة بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، قد تتراوح بين 10 و20% في المدى القصير، مع بقاء التقلبات رهينة تطورات المشهد الأمني. أمّا في حال الإغلاق الكامل والممتد، فسترتفع الأسعار بشكل حاد قد يتجاوز 30%، مدفوعة بنقص المعروض الفعلي وتزايد الطلب التحوّطي من قبل الدول المستوردة.
غير أن قدرة السوق على امتصاص الصدمات تعتمد على عدة أدوات: استخدام المخزونات الاستراتيجية لدى الدول الصناعية، وتفعيل آليات التنسيق بين كبار المنتجين ضمن أطر مثل أوبك لزيادة الإمدادات التعويضية، إضافة إلى دور وكالة الطاقة الدولية في تنسيق السحب الجماعي من الاحتياطيات. كما تسهم المرونة اللوجستية، مثل إعادة توجيه الشحنات عبر مسارات بديلة أو زيادة الاعتماد على الإنتاج من خارج الخليج، في الحد من القفزات المفرطة التي قد تضر باستقرار السوق على المدى الطويل.
كيف سيؤدي اضطراب سلاسل الإمداد العالمية خصوصًا في ممرات الطاقة والنقل البحري إلى إعادة تشكيل خريطة التجارة الدولية، وهل نشهد تسارعًا في سياسات التنويع والتوطين الصناعي لتقليل المخاطر الجيوسياسية؟
أي اختلال في ممرات الطاقة والنقل البحري لن يقتصر أثره على أسعار النفط فحسب، بل سيمتد ليعيد رسم خرائط التجارة العالمية، إذ سيؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد المخاطر في الممرات البحرية، إلى تسريع توجه الشركات والدول نحو تنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على المسارات عالية المخاطر.
من المتوقع أن نشهد تسارعًا في سياسات “إزالة المخاطر” عبر تنويع الشركاء التجاريين، وتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة البديلة وخطوط الأنابيب البرية، فضلًا عن تعزيز سياسات التوطين الصناعي، خاصة في القطاعات الحساسة مثل الطاقة، والبتروكيماويات، وسلاسل القيمة المرتبطة بها. كما قد تتجه الاقتصادات الكبرى إلى إعادة توزيع مراكز التصنيع أقرب إلى الأسواق الاستهلاكية، بما يقلل من الاعتماد على طرق شحن طويلة ومعرّضة للتقلبات الجيوسياسية. وهذا التحول لا يعني نهاية العولمة، بل إعادة تشكيلها في صورة أكثر حذرًا وتوازنًا بين الكفاءة الاقتصادية ومتطلبات الأمن الاستراتيجي.
ما حجم الضغط الذي تفرضه الحرب على اقتصادات الخليج من حيث الموازنات العامة، والاستثمارات، وأسعار الصرف، وكيف يمكن لهذه الاقتصادات تحقيق توازن بين استقرارها المالي ودورها في استقرار أسواق الطاقة العالمية؟
رغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يبدو في ظاهره داعمًا لإيرادات دول الخليج، إلا أن الحرب والاضطرابات الإقليمية تفرض ضغوطًا مركّبة على الموازنات العامة والاستثمارات. فمن جهة، ترتفع النفقات الأمنية والإنفاق على الاستقرار الاجتماعي، ومن جهة أخرى تتزايد المخاطر على تدفقات الاستثمار الأجنبي بسبب عدم اليقين الجيوسياسي. كما أن تقلبات أسعار الصرف العالمية وتشديد الأوضاع المالية الدولية قد تؤثر في تكلفة الاقتراض وتمويل المشروعات الكبرى.
ومع ذلك، تمتلك اقتصادات الخليج أدوات مهمة لتحقيق التوازن بين استقرارها المالي ودورها في استقرار أسواق الطاقة العالمية. يتمثل أبرزها في تنويع القواعد الاقتصادية بعيدًا عن النفط، وتعزيز الصناديق السيادية كأدوات لامتصاص الصدمات، إلى جانب إدارة مرنة للإنتاج النفطي تضمن استقرار السوق دون إغراقها أو تقييدها بشكل يفاقم التقلبات. كما أن التعاون ضمن أطر إقليمية مثل مجلس التعاون الخليجي يوفّر مظلة تنسيقية لتوحيد السياسات المالية والنقدية في مواجهة الأزمات.
في المحصلة، لا تبدو التطورات الراهنة مجرد أزمة عابرة في سوق الطاقة، بل محطة مفصلية قد تعيد تعريف أولويات الاقتصاد العالمي بين الكفاءة والأمن، وبين العولمة والانكفاء الحذر، فاحتمالات الاضطراب في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز تكشف هشاشة الترابط الدولي حين يصطدم بالتصعيد الجيوسياسي، وتدفع الدول والشركات إلى إعادة حسابات المخاطر قبل الأرباح
.
وبينما تسعى اقتصادات الخليج إلى موازنة استقرارها المالي مع مسؤوليتها في استقرار أسواق الطاقة، يبقى التحدي الأكبر هو بناء منظومة أكثر مرونة، قادرة على امتصاص الصدمات دون الانزلاق إلى دوامة تقلبات حادة تعمّق حالة عدم اليقين، فالعالم لا يقف على أعتاب نهاية العولمة، بل أمام إعادة صياغتها وفق معادلة جديدة تُقدّم الاستدامة والمرونة الاستراتيجية جنبًا إلى جنب مع النمو.
وفي هذا السياق، كما يشير الدكتور سمير مصطفى أبو مدللة، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بمدى ارتفاع الأسعار أو تراجعها، بل بقدرة الفاعلين الدوليين على التنسيق، واحتواء المخاطر، وتحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء نظام اقتصادي أكثر توازنًا وأقل قابلية للاهتزاز أمام العواصف السياسية.








