قال الدكتور حسام بدراوي الطبيب والسياسي المصري، إن الفلسفة السياسية الحديثة قامت تاريخيًا على ركيزة أساسية تفصل بين المعتقد الديني والقرار السياسي، بهدف تجنب الصراعات الصفرية التي ميزت العصور الوسطى، إلا أن المشهد الراهن يشير إلى ارتداد حضاري مقلق، حيث يُعاد إنتاج المآسي الإنسانية بأدوات تكنولوجية غاية في التطور والفتك، مما يضع عقلانية الإنسان الحديث على المحق أمام اختبار تاريخي يتجاوز مجرد امتلاك المعرفة أو وسائل الردع العسكرية.
وأوضح بدراوي في مقال له لموقع "الحرية" المصري، أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل انتقلت من مربع "الدعم الاستراتيجي" المحسوب، الذي كان يحرص على إبقاء مسافة سياسية ولو شكلية، إلى مرحلة "الاشتراك المباشر" وسقوط ما وصفه بـ "برقع الخشا"، حيث بات الاصطفاف معلنًا والخطاب السياسي متطابقًا تمامًا، وهو ما تجلى بوضوح في حرب الإبادة والمجازر المستمرة في فلسطين منذ أكتوبر 2023، إذ لم يعد الدور الأمريكي مجرد غطاء دبلوماسي، بل صار انخراطًا عضويًا يحول المواجهة إلى معركة مشتركة.
تساؤلات السيادة الأمريكية
صرح بدراوي بأن التماهي الكامل بين واشنطن وتل أبيب يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود المصلحة القومية لأمريكا مقابل أولويات دولة إقليمية، مشيرًا إلى أن المواطن في أمريكا من حقه التساؤل عن جدوى تمويل صراعات لا تمس أراضيه ولا تهدد اقتصاده بشكل مباشر، خاصة في ظل رئاسة دونالد ترامب الحالية التي تتبنى خطابًا يمزج أحيانًا بين البراجماتية والاصطفاف الأيديولوجي الحاد، مما يثير القلق حول انفراد الرؤى الضيقة بمفاصل القرار في القوة العظمى الوحيدة.
واعتبر أن الخطورة الحقيقية تكمن في تسلل اللغة الدينية—مثل الأرض الموعودة والحق الإلهي—إلى أروقة السياسة الدولية، لأن تغليف الصراعات بمرجعيات مقدسة يغلق أبواب الحلول الدبلوماسية ويحول النزاعات الحدودية إلى حروب وجودية لا تنتهي إلا باستنزاف الجميع، مشددًا على أن التاريخ أثبت مرارًا أن الحروب التي تنطلق من وهم "التفوق الأخلاقي أو الحضاري" تنتهي دائمًا بإرهاق كافة الأطراف وتهديد استقرار النظام الدولي برمته.
زيف الرواية الصهيونية
شدد الدكتور بدراوي على ضرورة كشف زيف السردية الإسرائيلية التي تحاول شرعنة العدوان، مؤكدًا أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل ذروة الانتهاك للقانون الدولي، وسط صمت أو تواطؤ يغذي الاستقطاب العالمي ويدفع قوى كبرى أخرى لبناء تحالفات مضادة، وهو ما ينذر بانزلاق العالم نحو مواجهة بين كتل دولية متصارعة لا يتحملها الكوكب، خاصة في زمن يمتلك فيه الإنسان قدرات تقنية كان من المفترض توجيهها لإنهاء الفقر ومعالجة الأوبئة بدلًا من تسخيرها في آلات القتل والدمار.
البديل الوحيد هو الانتقال نحو شراكة إقليمية
وأشار إلى أن الشرق الأوسط، الذي كان مهدًا للرسالات السماوية ومنارة للقانون، لا يحتاج إلى خرائط مرسومة بالنار أو هيمنة مبنية على منطق القوة غير المتوازنة، بل يحتاج إلى رؤية حضارية تنتشله من "الجغرافيا الصدامية" إلى أفق التعاون الإنساني، معتبرًا أن استمرار منطق التفوق الديني لن ينتج إلا أجيالا أكثر تطرفا، وأن البديل الوحيد هو الانتقال نحو شراكة إقليمية تحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب وتعتمد التنمية الشاملة وسيلة لكسر حلقة العنف التاريخية.









