في لُبنان، لا يُختصرُ النقاش حول السلاح بقرارٍ إداريّ، ولا يُحسمُ ببيانٍ حكوميّ. حين يُطرح مبدأُ حَصرِ القُوّة بيدِ الدَّولة، فإنّه يستند إلى قاعدةٍ سياديّة بديهيّة: أنَّ احتكارَ العُنفِ المُنظَّم حقٌّ حصريّ للدَّولة. غير أنّ التجربة اللبنانيّة أثبتت أنّ النصوصَ الدُّستوريّة والوقائعَ الميدانيّة لم تكونا دائماً في حالةِ تطابق، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بـ حزب الله.
فالمقاومة، في وعيِ بيئتها، لم تكن مجرّد تشكيلٍ عسكريّ، بل تحوّلت إلى هُويّةٍ وسرديّةٍ تاريخيّة تشكّلت في سياق الصراع مع إسرائيل. هناك جيلٌ وُلد في ظلّ المواجهة، وكبر على قناعةٍ بأنّ السِّلاح ليس خياراً سياسياً عابراً، بل ضمانةُ وجودٍ في وجهِ تهديدٍ دائم. لذلك، فإنّ سؤال “هل يُسلِّمُ الشابُّ المقاوم سلاحَه بقرارٍ حكومي؟” ليس سؤالاً قانونيّاً فحسب، بل سؤالُ أمانٍ وثقةٍ وبديل.
حين يشعر الإنسان أنّ أرضه وبيته وكرامته مهدَّدة، يكون ردُّ الفعل الطبيعي هو الدِّفاع، لا الجدل النظري. لا أحد يقبل أن يُبيح دخول العدو إلى أرضه أو أن يرى بيته يُدمَّر. من هنا ينبع الرفض الغريزي لأي خطوة تُفهم على أنّها تخلٍّ عن وسيلة الحماية. لكن ينبغي التفريق بين حقِّ الدفاع، وهو حقٌّ طبيعيّ وأخلاقيّ، وبين شكل هذا الدفاع ومن يُنظّمه ويُقرّر توقيته وحدوده.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، ماذا قدَّمتِ الدَّولة من ضماناتٍ قبل أن تطلب تسليم السِّلاح؟
إذا أرادت الدولة احتكار القوّة، فهي لا تطلب قطعةَ حديدٍ، بل تطلب التخلّي عن إحساسٍ بالأمان تكوَّن عبر سنوات. لذلك، لا يكفي الاستناد إلى النصوص الدستورية. المطلوب حزمةُ ضماناتٍ واضحة:
أوّلاً ضمانة الحماية الفعلية.
تعزيز قدرات الجيش اللبناني تسليحاً وتدريباً وانتشاراً، بحيث يكون قادراً على ردع أي توغّل، لا الاكتفاء بإدارة نتائجه.
ثانياً ضمانة القرار الوطني الموحّد.
أن يصبح قرار الحرب والسِّلم محكوماً بإجماعٍ وطنيّ واضح، لا بتجاذباتٍ داخلية أو ضغوطٍ خارجية.
ثالثاً ضمانة سياسية–دبلوماسية.
تحصين الحدود باتفاقات واضحة وآليات رقابة فعّالة تمنع الاعتداء، لا تكتفي بإدانته بعد وقوعه.
رابعاً ضمانة الكرامة.
أن يشعر المواطن في الجنوب أو الضاحية أو البقاع أنّه ليس متروكاً وحده في لحظة الخطر، وأن الدولة لن تفاوض على أمنه مقابل تسويات ظرفية.
حتى اللحظة، يرى كثيرون أنّ هذه الضمانات لم تكتمل. ولهذا يبقى السِّلاح في نظرهم ضرورةً لا امتيازاً. لكن في المقابل، لا يمكن أن تبقى الدولة ضعيفة ثم يُطلب منها أن تصبح قويّة من دون إعادة تنظيم مصادر القوّة داخلها. فالمعادلة الصعبة واضحة:
لا ضمانة بلا دولة قويّة،
ولا دولة قويّة مع تعدّد مراكز القوّة.
هنا تتبدّى المُعضلة الحقيقية:
هل تسليم السِّلاح يعني ترك الأرض بلا دفاع؟
أم يعني نقل وظيفة الدِّفاع إلى مؤسّسةٍ وطنيّةٍ جامعة، بحيث لا يبقى قرارُ الحرب والسِّلم مُعلّقاً بين شرعيّتين؟
ليس من الواقعيّ افتراض أنّ فاعلاً بنى شرعيّتَه على “المقاومة” سيتحوّل فجأةً إلى مُتفرّج إذا شعر بتهديدٍ وجوديّ مباشر. لكن ليس من الواقعيّ أيضاً أن يبقى وطنٌ كاملٌ رهينةَ ازدواجيّةٍ دائمة في القرار العسكري. بين هذين الحدّين، يقف لُبنان أمام استحقاقٍ مصيريّ: إمّا إعادةُ صياغةِ عقدٍ وطنيّ جديد يُعيد تعريف مفهوم الدِّفاع ضمن استراتيجيّةٍ واضحة، أو البقاء في دائرةِ الشكِّ والخوف المتبادل.
إذا أرادت الدولة أن تحتكر القوّة، فعليها قبل ذلك أن تحتكر الطمأنينة.
وإذا أرادت المقاومة أن تبقى وفيةً لرسالتها، فعليها أن تسهم في بناء دولةٍ لا تجعل أبناءها يشعرون بأنهم وحدهم في الميدان.
بين سِلاحِ العَقيدة وسُلطةِ الدَّولة، يبقى السؤال أكبر من السِّلاح نفسه...
كيف نُقيمُ دَولةً تُطمئنُ الجميع فلا يعودُ أحدٌ مُضطرّاً لأن يحملَ عبءَ الحماية وحده؟









