انضم «حزب الله» إلى الحرب إلى جانب إيران، رغم إدراكه حجم الأثمان التي قد تترتب على هذا القرار. بعض المراقبين سارعوا إلى تشبيه هذه الخطوة بالقرار الذي اتخذه حسن نصر الله في أكتوبر 2023، حين فتح جبهة ضد إسرائيل تحت عنوان «الدعم» لـ«حماس»، وهو المسار الذي انتهى باغتياله وأدى إلى إضعاف الحزب بصورة عميقة. غير أن هذا القياس، كما ترى الكاتبة، لا يعكس بدقة تعقيدات اللحظة الراهنة ولا اختلاف السياقات بين المرحلتين.
ووفقا لمقال اورنا مزراحي بصحيفة «هآرتس» ففي أكتوبر 2023، كان نصر الله يستند إلى قوة عسكرية معتبرة وإلى ما اعتُبر آنذاك «توازن ردع» مع الجيش الإسرائيلي، الذي فوجئ بأحداث 7 أكتوبر وركّز جهده الرئيسي على قطاع غزة، متجنباً لقرابة عام الانزلاق إلى مواجهة شاملة في الشمال. أما اليوم، فإن البيئة الإقليمية تبدلت، ومكانة الحزب تراجعت، وقدرته على المناورة لم تعد كما كانت، وهو ما يجعل المقارنة مع الماضي قاصرة عن تفسير القرار الجديد.
إيران وحزب الله
بعد الحرب الأخيرة، تعرّض «حزب الله» إلى استنزاف واسع، وبحسب التقديرات الواردة في المقال، فقد الحزب نحو 80 في المئة من قدراته العسكرية وبنيته القيادية الميدانية المخضرمة، إلى جانب أزمات مالية خانقة. ومنذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجمات يومية، ما أعاق جهود الحزب لإعادة بناء منظومته العسكرية وترميم بنيته التنظيمية.
في الوقت نفسه، يواجه الأمين العام الجديد، نعيم قاسم، تحديات داخلية معقدة، إذ لا يمتلك الكاريزما ولا هامش الحركة الذي كان يتمتع به نصر الله، كما يواجه تباينات داخل الصف القيادي. ورغم استمرار الدعم الإيراني، فإن قدرة إيران على الإسناد تراجعت بسبب فقدان حرية الحركة في سوريا، إضافة إلى معارضة الحكومة اللبنانية الجديدة لأي تدخل مباشر في شؤونها، وهو ما ضيّق المجال أمام الحزب في لحظة حرجة.
قواعد اشتباك جديدة
تخوض إسرائيل، بالتعاون مع أمريكا، حرباً واسعة النطاق ضد إيران، في ظل تحولات عسكرية واضحة. فبحسب المقال، يتمتع الجيش الإسرائيلي اليوم بحرية عمل شبه كاملة في الأجواء، وسيطرة على شريط واسع بمحاذاة الحدود، ما يتيح له التحرك ضد «حزب الله» من دون الحاجة إلى إخلاء واسع للمستوطنات كما كان يحدث سابقاً.
هذا التبدل في «قواعد اللعب» منح إسرائيل تفوقاً عملياتياً في مواجهة حزب منهك، وأعاد رسم ميزان الردع. لم يعد الحزب قادراً على فرض معادلات ردع متبادلة كما في السابق، بل بات في موقع دفاعي، بينما تتحرك إسرائيل بثقة أكبر مستندة إلى دعم أمريكي مباشر في الحرب الإقليمية الجارية.
تراجع النفوذ الداخلي
داخلياً، تراجعت مكانة «حزب الله» في لبنان بصورة ملحوظة. فالحكومة الجديدة، التي تشكلت بعد الحرب، أعلنت أن من أولوياتها ترسيخ سيادة الدولة، بما يشمل حصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الرسمية، والسعي إلى نزع سلاح الحزب. ورغم أن هذه الحكومة ما تزال ضعيفة وتخشى صداماً داخلياً بسبب هشاشة الجيش اللبناني واحتمال اندلاع مواجهات عنيفة، فإنها تبدي تصميماً واضحاً على استعادة صلاحيات كانت عملياً بيد الحزب.
في هذا السياق، برزت ردود فعل حادة من الرئيس اللبناني، الذي أدان الهجمات الإسرائيلية، وكذلك من رئيس الوزراء الذي أصدر بياناً يمنع الحزب من مواصلة العمل العسكري ضد إسرائيل. هذه المواقف تعكس تحوّلاً في الخطاب الرسمي اللبناني، ومحاولة لتأكيد أن قرار الحرب لم يعد حكراً على فاعل غير دولتي.
عملية «زئير الأسد»
جاء قرار الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران بعد مداولات مطوّلة وتصريحات غامضة سبقت عملية «زئير الأسد». وبحسب المقال، لا يوجد يقين حول ما إذا كان نعيم قاسم هو من قاد القرار فعلياً، أم أن شخصية عسكرية نافذة دفعت إليه، غير أن الحزب أعلن تحمّل المسؤولية كاملة.
العامل الحاسم، وفق التحليل، كان اغتيال المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، الذي وصفه الحزب بأنه «خط أحمر». هذا الحدث دفع «حزب الله» إلى تنفيذ رد عسكري أولي، تمثل في إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على نطاق محدود. كما لعبت مسيرات العزاء الضخمة التي شهدتها مناطق شيعية في لبنان، والدعوات إلى الانتقام، دوراً في تعزيز خيار التدخل، بما عكس تغليب الولاء لإيران على حساب اعتبارات الدولة اللبنانية.
فرصة لإسرائيل
ترى الكاتبة أن هجوم «حزب الله» خدم إسرائيل، التي كانت، بحسب المقال، تنتظر اللحظة المناسبة لاستكمال خطط أعدها الجيش مسبقاً لشن جولة واسعة ضد الحزب، بهدف تعميق الضرر بقدراته ومنعه من استعادة عافيته بعد وقف إطلاق النار.
وقد سارع الجيش الإسرائيلي إلى تنفيذ سلسلة هجمات في مناطق متعددة داخل لبنان، وأعلن رئيس الأركان بدء حملة قد تمتد لأيام، مع احتمال تنفيذ عملية برية. في ضوء ذلك، يصعب التنبؤ بشكل «حزب الله» بعد انتهاء المواجهة، لكن التحليل يرجّح أن القرار بالانخراط في الحرب قد يتحول إلى عبء تاريخي ثقيل على الحزب وأنصاره، وربما إلى نقطة مفصلية تعيد رسم دوره في لبنان والمنطقة بأسرها.










