20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حرب الظلال : كيف تُدار معركة صيد الصواريخ الإيرانية بين التكنولوجيا والمخاطرة؟

تقلع طائرات سلاح الجو في طلعات مكثفة تقطع أكثر من 1500 كيلومتر، في عمليات معقدة تستهدف منظومات متعددة المستويات داخل إيران. هذه الطلعات لا تُدار كضربات تقليدية، بل كعمليات مركبة تتوزع فيها المهام منذ

بقلم: سماح عثمان
٤ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
24 مشاهدة
حرب الظلال فوق جبال زاغروس: كيف تُدار معركة صيد الصواريخ الإيرانية بين التكنولوجيا والمخاطرة؟

حرب الظلال فوق جبال زاغروس: كيف تُدار معركة صيد الصواريخ الإيرانية بين التكنولوجيا والمخاطرة؟

تقلع طائرات سلاح الجو في طلعات مكثفة تقطع أكثر من 1500 كيلومتر، في عمليات معقدة تستهدف منظومات متعددة المستويات داخل إيران. هذه الطلعات لا تُدار كضربات تقليدية، بل كعمليات مركبة تتوزع فيها المهام منذ لحظة الوصول إلى مسرح العمليات، حيث ينقسم ما يُعرف داخل المؤسسة العسكرية بـ«القطار» إلى مجموعات تعمل على أهداف مختلفة في آن واحد.

وقال روبن بشاي في مقال له بصحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، أن  هذه الأهداف تشمل منشآت النظام، ومنظومات الدفاع الجوي، غير أن المهمة المركزية — كما يوضح الكاتب — تتمثل في ضرب منظومات إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية. ورغم أن إيران لا تزال تنجح في إطلاق صواريخ نحو إسرائيل وأهداف في الخليج الفارسي، فإن تعزيز التعاون الإسرائيلي–الأمريكي أتاح قدرة اعتراض مرتفعة نسبياً في مواجهة قوة نارية تنطلق من دولة مترامية الأطراف جغرافياً ومعقدة تضاريسياً.

دروس الحرب السابقة

يرى الكاتب أن تعقيد المواجهة الحالية يرتبط مباشرة بتجربة الحرب السابقة في يونيو من العام الماضي، حين استهدفت إسرائيل منظومات إنتاج وإطلاق لم تكن مستعدة لهجوم مفاجئ واسع النطاق. أما اليوم، فقد أعادت إيران توزيع مخازنها ومنصات إطلاقها عقب عملية «الأسد الصاعد»، بحيث لم تعد متمركزة في نقاط يسهل شلّها بضربة مركزة واحدة.

هذا التوزيع اللامركزي فرض نمطاً عملياتياً مختلفاً، إذ تركز العملية الجارية حالياً على أربع مجموعات أهداف رئيسية، في محاولة لتفكيك البنية الصاروخية الإيرانية تدريجياً، بدلاً من السعي إلى شلّها بضربة خاطفة كما في السابق.

كهوف زاغروس

توجد غالبية مواقع التخزين والإطلاق في جبال زاغروس شمال وغرب إيران، حيث تحوّلت الكهوف الطبيعية إلى مخازن صاروخية بعد توسيعها هندسياً. هذه المواقع غالباً ما تحتوي على فتحات محدودة، بعضها سري ومموه بعناية، ويهدف العمل العسكري إلى كشف هذه الفتحات وسدّها لمنع استخدامها.

تقوم الآلية الإيرانية على إخراج صاروخ أو أكثر من الكهف إلى منصة إطلاق معدّة مسبقاً في منطقة مكشوفة نسبياً. إذا كان الصاروخ يعمل بالوقود الصلب، يمكن إطلاقه خلال دقائق، أما الصواريخ العاملة بالوقود السائل — وهي أبسط إنتاجاً — فتتطلب عشرات الدقائق للتزود بالوقود، ما يخلق نافذة زمنية للهجوم. في مواجهة هذه المواقع، تعتمد إسرائيل أساساً على المُسيّرات الهجومية، التي يُطلب منها الاقتراب بما يكفي لضرب الصاروخ قبل إطلاقه، من دون أن تتموضع مباشرة فوق الهدف حتى لا تُكشف. وتُستخدم الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأرضية والجوية لتحديد الإحداثيات، فيما يجري تقبّل خسارة بعض المُسيّرات ضمن حسابات المخاطر المسبقة. أما تدمير الكهوف أو سدّها نهائياً، فيتطلب تدخلاً من طائرات حربية تحمل ذخائر ثقيلة.

مدن تحت الأرض

الهدف الثاني يتمثل فيما تسميه طهران «مدن الصواريخ»، وهي منشآت محصنة تحت الأرض تضم مخازن ومنصات إطلاق مخفية. وقد بثّت إيران سابقاً مقاطع تُظهر مركبات تتحرك داخل أنفاق واسعة، في استعراض لقدراتها التحصينية. هذه المواقع أكثر صعوبة في الكشف والاستهداف، نظراً لعمقها الهندسي وتعدد ممراتها.

هنا يبرز الدور الأمريكي عبر القنبلة الخارقة للتحصينات GBU-57، التي تحملها قاذفات الشبح B-2 Spirit، وترافقها مقاتلات F-22 Raptor للحماية، إضافة إلى طائرات حرب إلكترونية. تنطلق قاذفات B-2 لأسباب لوجستية من الولايات المتحدة، وتنفذ مهماتها غالباً ليلاً بدقة إصابة شديدة الحساسية، إذ إن انحراف متر أو مترين داخل نفق قد يُفقد الضربة فعاليتها. ويشير الكاتب إلى أن الفارق هنا كبير مقارنة بمنشآت أخرى مثل مواقع أجهزة الطرد المركزي، حيث قد يكون الاهتزاز كافياً لإحداث ضرر، بينما تتطلب «مدن الصواريخ» إصابة مباشرة محسوبة بدقة متناهية.

شاحنات مموهة

المجموعة الثالثة من الأهداف تتمثل في شاحنات إطلاق متنقلة. عمدت إيران إلى تركيب صواريخ من طراز «شهاب» و«عماد» على شاحنات تبدو من الخارج كحاويات شحن عادية. وعند وصولها إلى موقع مُعد مسبقاً، تُفتح الحاوية وتُجهز عملية الإطلاق.

تكمن الصعوبة في أن هذه الشاحنات تتحرك نهاراً على الطرق العامة، ما يجعل استهدافها بالغ التعقيد خشية إصابة أهداف مدنية. ويجري التعرف إليها عبر تحليل بنيتها الخارجية، بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي، ودراسة أنماط الحركة ومواقع الانطلاق. تعتمد المواجهة هنا أيضاً على المُسيّرات، إلى جانب أقمار صناعية إسرائيلية وأمريكية قادرة على تتبع الحركة بدقة عالية. ويلاحظ الكاتب أن انخفاض وتيرة الإطلاقات ليلاً يرتبط بندرة حركة الشاحنات في تلك الساعات، ما يحدّ من فرص التمويه الليلي.

مصانع الإنتاج

العنصر الرابع يتمثل في مواقع إنتاج الصواريخ. بعد عملية «الأسد الصاعد»، احتفظت إيران بخلاطات لإنتاج مواد متفجرة ووقود صلب لمحركات الصواريخ، إضافة إلى استمرار تصنيع صواريخ تعمل بالوقود السائل بوتيرة متسارعة نسبياً. تنتشر هذه المواقع في أنحاء متعددة من البلاد، وبعضها متخصص في المواد الكيميائية، وأخرى في هياكل الصواريخ أو أنظمة التوجيه الإلكترونية.

تتركز معظم هذه المنشآت في مناطق كرمنشاه، تبريز، كردج وقم. غير أن الأسابيع التي سبقت الحرب شهدت تفكيك أجزاء من خطوط الإنتاج وإخفاءها، ما جعل الصورة الاستخبارية غير مكتملة. وبحسب الكاتب، فإن المواجهة الحالية لا تقوم فقط على القوة النارية، بل على تقسيم عمل استخباري دقيق بين إسرائيل وأمريكا، في محاولة لتجاوز أساليب الإخفاء الإيرانية وتعقيداتها.

معركة تغيير الواقع

يخلص المقال إلى أن ما يجري ليس مجرد تبادل ضربات، بل «لعبة تغيير واقع» تسعى إلى تفكيك منظومة الإخفاء الإيرانية عبر دمج التكنولوجيا المتقدمة بالاستخبارات متعددة المصادر. التعاون الإسرائيلي–الأمريكي في تعقب الصواريخ ومنصات إطلاقها يمثل، وفق هذا التصور، انتقالاً من الدفاع إلى ملاحقة القدرة الهجومية ذاتها قبل أن تُستخدم.

غير أن هذه المعركة، بطبيعتها التقنية والعميقة داخل الجغرافيا الإيرانية، تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل سباق بين قدرة إيران على التمويه وإعادة الانتشار، وقدرة خصومها على كشف هذا التمويه وتحويله إلى أهداف مكشوفة في لحظة خاطفة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

حرب الظلال : كيف تُدار معركة صيد الصواريخ الإيرانية بين التكنولوجيا والمخاطرة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°